جديد

الهيبة في البيئات الجاهلة… حين يصبح العنف لغةً لانتزاع الاحترام

رياض سعد

تتباين معايير الهيبة والاحترام من بيئة إلى أخرى تبعًا لمستوى الوعي والثقافة والنضج الاجتماعي… ؛  ففي المجتمعات الواعية والمتحضرة تُبنى الهيبة على المعرفة والكفاءة والأخلاق والاتزان النفسي، أما في البيئات الجاهلة والبدائية فإن معايير الهيبة تختلف اختلافًا كبيرًا، حتى يكاد العنف والحدة والغلظة يتحولان إلى أدوات رئيسية لفرض الاحترام وانتزاع المكانة.

ومن هنا يمكن فهم القاعدة الاجتماعية التي تقول: كلما انخفض مستوى الوعي بمحيط الإنسان، ازدادت حاجته إلى إظهار الحدة والقسوة حتى يُحترم، وكلما ارتفع مستوى الوعي قلَّت حاجته إلى ذلك، لأن القيمة تُفهم من غير ضجيج.

فالإنسان الذي ينشأ في بيئة جاهلة يتعلم منذ طفولته أن اللين ضعف، وأن التسامح عجز، وأن الهدوء استسلام، وأن الشخص المهذب يمكن تجاوزه أو التعدي عليه… ؛  لذلك يضطر إلى بناء شخصية حادة الملامح، مرتفعة الصوت، سريعة الغضب، شديدة الانفعال، لأنه يدرك أن محيطه لا يفهم لغة العقل والحكمة، بل يتعامل غالبًا بمنطق القوة والخشية.

وفي مثل هذه البيئات قد تجد الإنسان يرفع صوته لا لأنه قوي، بل لأنه يخشى أن يُعدَّ ضعيفًا… ؛  ويُظهر القسوة لا لأنه شرير، بل لأنه تعلم أن الرقة لا تمنحه مكانة اجتماعية… ؛  وقد يبالغ في التهديد والعنف اللفظي أو الجسدي لأنه يعتقد أن الهيبة لا تُكتسب إلا بالخوف… ؛ ومن الأمثلة الواقعية الدالة على هذه الظاهرة شيوع المقولة الشهيرة بين سكان تكريت: «صير مهيوب ولا تصير محبوب». فهذا المثل لا يعبّر عن حكمة اجتماعية عابرة فحسب، بل يكشف عن منظومة قيم ترى أن الهيبة القائمة على الخشية والخوف أكثر أهمية من المحبة القائمة على القبول والاحترام المتبادل… ؛  ومن ثمّ فإنه يعكس نمطاً تربوياً واجتماعياً يُعلي من شأن السلطة والرهبة والقدرة على فرض الإرادة، أكثر مما يُعلي من قيم الألفة والتسامح وكسب القلوب… ؛ لذلك يمكن الاستدلال به بوصفه أحد المؤشرات الثقافية التي ساهمت في ترسيخ هذه التربية وإعادة إنتاجها عبر الأجيال.

إنها مفارقة مؤلمة؛ فالمجتمع الجاهل كثيرًا ما يدفع أفراده إلى ارتداء أقنعة خشنة لا تشبه حقيقتهم. فكم من إنسان رقيق الطبع اضطرته بيئته إلى التظاهر بالقسوة، وكم من شخص مسالم تعلّم أن يقطب حاجبيه ويشتد في حديثه كي يحافظ على مكانته بين الناس.

وعلى النقيض من ذلك، كلما ارتفع مستوى الوعي والثقافة في المجتمع، أصبحت الحاجة إلى استعراض القوة أقل… ؛ فالناس في البيئات الواعية يحترمون الطبيب لعلمه، والأستاذ لمعرفته، والقاضي لعدالته، والمفكر لفكره، ولا يحتاج هؤلاء إلى الصراخ أو التهديد أو إظهار العنف كي يثبتوا قيمتهم.

فالإنسان الواعي يستطيع أن يدرك قيمة الآخرين من خلال أفكارهم وأخلاقهم وإنجازاتهم، بينما يحتاج الإنسان الجاهل إلى المظاهر الصاخبة والرموز الخشنة ليقتنع بالمكانة والقيمة… ,  لذلك قيل إن الهيبة عند الجاهل تُنتزع، وعند الواعي تُمنح.

إن الهيبة الحقيقية ليست في حدة الصوت، ولا في قسوة الملامح، ولا في القدرة على التخويف والإيذاء، بل في الحضور الأخلاقي والفكري الذي يفرض احترامه دون إكراه… ؛  فالإنسان كلما ازداد وعيه أدرك أن الاحترام الذي يُبنى على الخوف مؤقت وزائف، أما الاحترام الذي يُبنى على الحكمة والكفاءة والخلق فهو الأعمق والأبقى.

ولهذا فإن انتشار مظاهر العنف والحدة والتشدد في بعض البيئات ليس دليلًا على قوة أفرادها، بل قد يكون في كثير من الأحيان انعكاسًا لضعف البنية الثقافية والاجتماعية فيها… ؛  فحين تعجز المجتمعات عن إدراك القيمة بهدوء، تضطر القيمة إلى أن تتحدث بصوت مرتفع.

إنها إحدى مفارقات الاجتماع الإنساني: كلما قلّ الوعي ارتفع الضجيج، وكلما ارتفع الوعي سادت الطمأنينة… ؛  فالهيبة التي تحتاج إلى الصراخ ليست هيبة، والقوة التي لا تُرى إلا في العنف ليست قوة، وإنما هي محاولة يائسة لانتزاع احترامٍ لم تستطع الثقافة أن تمنحه.