ضياء أبو معارج الدراجي
يُحكى أن مهرجاً فقيراً كان يملك قرداً وعنزة وناياً. كان يخرج كل صباح إلى السوق، يعزف على الناي فيرقص القرد أمام الناس، فيجمع بعض الدراهم التي يشتري بها علفاً للعنزة وخبزاً يتقاسمه مع القرد عند المساء، بينما كانت العنزة تمنحه الحليب الذي يكمل به طعامه البسيط.
وكانت له عادة يومية لا تتغير. يحلب العنزة ويضع الحليب في إناء فوق المنضدة داخل الدار، ثم يربط القرد قرب النافذة والعنزة إلى عمود في الساحة ويخرج لشراء الخبز.
وعندما يعود يجد إناء الحليب فارغاً وآثار الحليب على فم العنزة ولحيتها.
فيغضب ويشتم العنزة ويعتبرها السارق الوحيد، بينما يجلس القرد هادئاً في مكانه يتقاسم معه الخبز وكأنه بريء لا علاقة له بما جرى.
استمر الحال أياماً طويلة حتى ترسخت التهمة في ذهن المهرج، وأصبحت العنزة في نظره مذنبة بحكم العادة لا بحكم الدليل.
لكن ذات يوم قرر أن يراقب ما يجري.
خرج كعادته ثم عاد خفية ونظر من نافذة الدار، فإذا به يرى القرد يفك رباطه بنفسه، ويقفز إلى المنضدة ويشرب الحليب كله تقريباً، ثم يأخذ ما تبقى منه ويلطخ به فم العنزة ولحيتها، وبعدها يعود إلى مكانه ويربط نفسه كما كان تماماً.
عندها اكتشف المهرج الحقيقة المؤلمة.
القرد هو السارق الحقيقي، والعنزة كانت مجرد متهم دائم. أما القرد فلم يكن يكتفي بسرقة الحليب، بل كان يشارك المهرج الخبز الذي اشتراه بعرق جبينه ثم يتظاهر بالبراءة الكاملة.
هذه الحكاية تشبه إلى حد بعيد ما جرى في العراق خلال السنوات الماضية.
فمنذ عام 2003 وحتى اليوم، جرى تسويق رواية سياسية وإعلامية ضخمة مفادها أن الفساد شيعي، وأن الخراب شيعي، وأن سرقة المال العام شيعية، وأن كل ما أصاب الدولة من أزمات سببه القوى الشيعية وحدها.
ولا شك أن في القوى الشيعية فاسدين، وأن هناك ملفات فساد كبيرة لا يمكن إنكارها أو التغطية عليها، لكن المشكلة أن هذه الحقيقة استُخدمت لإخفاء حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن قسماً كبيراً من ملفات الفساد والنهب المنظم للمال العام ارتبط أيضاً بشخصيات وقوى سياسية سنية شغلت مواقع حساسة ومؤثرة في الدولة.
وخلال السنوات الماضية تولى سياسيون ومسؤولون سنة مناصب مهمة في وزارات وهيئات ومؤسسات تمتلك موازنات ضخمة، ومن بينها مواقع مؤثرة في قطاعي النفط والكهرباء، وهما القطاعان اللذان ابتلعا مئات المليارات من الدولارات دون أن يلمس المواطن العراقي نتائج تتناسب مع تلك الأموال.
واليوم بدأت بعض الملفات تتسرب إلى الرأي العام، وبدأت الوقائع تظهر تباعاً، حتى وصل الأمر إلى تداول معلومات عن قيام متهمين بحرق مبالغ مالية هائلة داخل تنور طيني للتخلص من الأدلة وخشية اكتشاف الأموال غير المشروعة عند اقتراب المساءلة القانونية.
قد يختلف الناس حول بعض التفاصيل، لكن مجرد وصول الفساد إلى مرحلة حرق الأموال بدلاً من الاحتفاظ بها يكشف حجم الذعر الذي أصاب بعض المتورطين، ويعطي مؤشراً خطيراً على حجم الثروات التي جرى جمعها بطرق غير مشروعة.
فأي مسؤول يمتلك أموالاً حصل عليها من مصدر مشروع لا يحتاج إلى حرقها، ولا يخشى الكشف عنها، ولا يبحث عن وسيلة للتخلص منها قبل وصول الجهات الرقابية إليه.
إن ما ظهر حتى الآن لا يمثل سوى جزء من الصورة، أما ما خفي فقد يكون أعظم بكثير.
لقد انشغل العراقيون سنوات طويلة بملاحقة العنزة، بينما كان القرد يشرب الحليب ويعود إلى رباطه ويتظاهر بالبراءة. وكانت الاتهامات تتجه دائماً إلى جهة واحدة، فيما بقيت جهات أخرى خارج دائرة الضوء وكأنها لم تشارك في إدارة الدولة ولم تستفد من مواردها ولم تستحوذ على المناصب التي فتحت أبواب الفساد والثراء غير المشروع.
إن مكافحة الفساد لا يمكن أن تنجح إذا تحولت إلى وسيلة لتصفية الحسابات الطائفية أو السياسية. فالفاسد لا يصبح شريفاً لأنه سني، ولا يصبح مجرماً لأنه شيعي. المعيار الوحيد هو حجم ما نهبه من المال العام وحجم الضرر الذي ألحقه بالدولة والشعب.
العراق لا يحتاج إلى توزيع التهم على أساس المذهب، بل إلى فتح جميع الملفات بلا استثناء، ومحاسبة جميع الفاسدين بلا تمييز، سواء كانوا في النفط أو الكهرباء أو المالية أو أي مؤسسة أخرى.
لقد أضرت بالعراق سياسة البحث عن “عنزة” نعلق عليها كل الأخطاء، بينما نترك “القرد” الحقيقي بعيداً عن المحاسبة.
واليوم، وبعد أن بدأت الحقائق تتكشف واحدة بعد أخرى، لم يعد من السهل إقناع الناس بالروايات القديمة. فالعراقيون يريدون معرفة من سرق أموالهم فعلاً، ومن راكم الثروات على حسابهم، ومن أوصل البلاد إلى هذا المستوى من الهدر والفساد.
فالحقيقة لا يمكن أن تبقى مخفية إلى الأبد، وعندما يكتشف الجميع من كان يشرب الحليب ومن كان يُلصق التهمة بغيره، سيدركون أن ما ظهر من ملفات الفساد ليس إلا رأس جبل الجليد، وأن ما خفي كان أعظم.