سلسلة الأمة العراقية: إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (12)
رياض سعد
من أخطر الإشكاليات التي تواجه مشروع تأصيل مفهوم الأمة العراقية تلك الفرضية الشائعة التي تحاول إنكار الاستمرارية التاريخية لسكان العراق، والادعاء بأن العراق الذي أنشأ أولى الحضارات الإنسانية وأقام أقدم الدول المعروفة في التاريخ قد فقد سكانه الأصليين في مرحلة ما من تاريخه، ثم امتلأ لاحقاً بجماعات وافدة حلت محلهم بالكامل.
وهذه الفرضية لا تصمد أمام أي فحص تاريخي أو ديموغرافي أو جيني أو منطقي جاد.
فالعراق، أو بلاد الرافدين، ليس رقعة جغرافية عابرة ظهرت فجأة في سجل التاريخ، بل هو أحد أقدم المراكز الحضارية التي عرفتها البشرية.. , وعلى أرضه نشأت المدن الأولى، وتطورت الزراعة المنظمة، وظهرت المؤسسات السياسية والإدارية قبل آلاف السنين من ظهور معظم الكيانات البشرية المعروفة اليوم.
وتشير التقديرات التاريخية إلى أن العراق كان من أكثر مناطق الشرق كثافة سكانية عشية الفتح الإسلامي، إذ كانت أرض السواد تمثل مركزاً عمرانياً واقتصادياً بالغ الحيوية مقارنة بالجزيرة العربية.
فبينما كانت مدن العراق وقراه وشبكات ريّه تحتضن ملايين البشر، كانت الجزيرة العربية، بحكم طبيعتها الصحراوية وشح مواردها، أقل كثافة سكانية وأكثر محدودية من حيث العمران والاستقرار.. ؛ إذ إن قبائلها الكبرى كانت معدودة على أصابع اليد الواحدة، الأمر الذي يجعل بعض التقديرات السكانية المرتفعة موضع تساؤل ومراجعة.
غير أن بعض الكتاب والمؤدلجين يحاولون القفز فوق هذه الحقائق الديموغرافية و الأركيولوجية و التاريخية ، ليقدموا لنا رواية غريبة مفادها أن سكان العراق القدماء قد اختفوا تماماً من الوجود، وكأنهم قوم عاد أو ثمود، وأن البلاد تحولت إلى فراغ بشري هائل حتى جاء القادمون من خارجها فملأوا ذلك الفراغ وأعادوا تشكيلها من جديد.
إن هذه الرواية لا تفسر لنا كيف يمكن لوطنٍ احتضن أعرق الحضارات وأضخم المراكز الزراعية والتجارية في الشرق القديم أن يتحول فجأة إلى أرض خالية من البشر، ولا تفسر لنا أين ذهب ملايين السكان الذين عاشوا على ضفاف دجلة والفرات عبر آلاف السنين.
بل إن أصحاب هذه الفرضية يطالبوننا ضمنياً بالإيمان بمعجزة تاريخية مزدوجة؛ الأولى أن سكان العراق قد تبخروا واختفوا بلا أثر، والثانية أن سكان البيئات الصحراوية المحدودة الموارد قد تكاثروا بأعداد هائلة تكفي لاستبدال شعوب بأكملها وإلغاء وجودها التاريخي..!
وهو افتراض يفتقر إلى المنطق العلمي بقدر افتقاره إلى الأدلة التاريخية.
* إشكالية اللغة والهوية
ويبدو أن جزءاً من هذا الخلط يعود إلى سوء فهم العلاقة بين اللغة والهوية.
فالعراق قبل الإسلام لم يكن مجتمعاً أحادي اللغة أو الثقافة، بل كان فضاءً حضارياً متنوعاً يضم لغات ولهجات وأدياناً وجماعات مختلفة، شأنه شأن معظم المراكز الحضارية الكبرى في التاريخ.
لقد عاش في العراق العرب والنبط والسريان واليهود والعجم وغيرهم، وكانت العربية والسريانية والآرامية والعبرية وسواها متداولة بدرجات متفاوتة بين السكان.
إلا أن بعض المؤرخين والنسابين القدماء وقعوا في خطأ منهجي حين افترضوا أن كل من لا يتحدث العربية لا بد أن يكون أعجمياً – بالمعنى الاخص – أو فارسياً.. , والحقيقة أن الانتماء اللغوي لا يساوي بالضرورة الانتماء القومي أو العرقي، وإلا لكان جميع الناطقين بالإنجليزية اليوم أمة واحدة، وجميع الناطقين بالإسبانية شعباً واحداً.
إن اللغة أداة تواصل، أما الهوية التاريخية فهي نتاج تراكم طويل من الجغرافيا والذاكرة الجمعية والخبرة الحضارية المشتركة.
ولهذا فإن استعراب قطاعات واسعة من سكان العراق بعد الإسلام لا يعني اختفاء تلك الجماعات أو انقراضها، بل يعني انتقالها التدريجي إلى لغة جديدة ضمن عملية تاريخية معروفة شهدتها أمم كثيرة عبر العصور.
* وهم الأمة اللغوية
ومن هنا نشأت إشكالية أخرى لا تقل خطورة عن سابقتها، وهي الاعتقاد بأن الاشتراك في اللغة يكفي لتكوين أمة واحدة.
لقد بنيت مشاريع قومية عديدة على هذا الافتراض، لكنها اصطدمت لاحقاً بحقائق التاريخ والاجتماع والسياسة.
فاليوم تتحدث عشرات الدول اللغة الإسبانية، من إسبانيا إلى المكسيك والأرجنتين وكولومبيا وتشيلي وبيرو وغيرها.., ومع ذلك لا أحد يدعي وجود أمة إسبانية واحدة تضم هذه الشعوب كافة، لأن اللغة وحدها لا تلغي الفوارق التاريخية والثقافية والاجتماعية والجينية التي تشكل الهويات الوطنية.
والأمر نفسه ينطبق على العالم الناطق بالعربية.
فاشتراك العراقي والمغربي والموريتاني والصومالي واليمني في اللغة العربية لا يعني بالضرورة أنهم يشكلون أمة واحدة بالمعنى التاريخي أو السياسي أو الأنثروبولوجي أو العرقي .. ؛ إذ لكل مجتمع مساره التاريخي الخاص، وذاكرته الجمعية الخاصة، وبنيته الاجتماعية والثقافية المتمايزة.
إن الأمة ليست لغة فحسب، وليست ديناً فحسب، وليست نسباً فحسب، بل هي حصيلة تفاعل طويل بين الإنسان والأرض والتاريخ والمصير المشترك.
* الأمة العراقية بوصفها حقيقة تاريخية
إن الأمة العراقية، وفق هذا الفهم، ليست مشروعاً سياسياً طارئاً ولا اختراعاً حديثاً، بل امتداد تاريخي طويل لسكان هذه الأرض بمختلف أسمائهم ولغاتهم ومعتقداتهم عبر العصور.
لقد تغيرت اللغات، وتبدلت الدول، وتعاقبت الأديان والإمبراطوريات، لكن العراق ظل محتفظاً بجوهره الحضاري وبشخصيته التاريخية الخاصة.
ومن هنا فإن تأصيل مفهوم الأمة العراقية لا يقوم على إنكار التنوع، بل على الاعتراف به بوصفه جزءاً من تكوينها التاريخي.. , كما لا يقوم على نفي الروابط الثقافية والدينية مع الشعوب الأخرى، بل على التمييز بين الروابط الحضارية المشروعة وبين الذوبان في مشاريع أيديولوجية تتجاوز الواقع التاريخي والاجتماعي للعراق.
إن السؤال الجوهري ليس: هل يتحدث العراقيون العربية؟
بل: ما الذي صنع الشخصية العراقية عبر آلاف السنين؟
وحين نجيب عن هذا السؤال بموضوعية، سنكتشف أن العراق لم يكن يوماً فراغاً سكانياً ملأه الآخرون، ولم يكن مجرد هامش تابع لكيانات أكبر، بل كان دائماً مركزاً حضارياً أنتج شعبه وتاريخه وهويته الخاصة، وما يزال كذلك إلى اليوم.