سلسلة الأمة العراقية: إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (13)
رياض سعد
حين نتأمل تاريخ البشرية الطويل، نجد أن بلاد الرافدين لم تكن مجرد بقعة جغرافية استقرت فيها جماعات بشرية ثم رحلت، بل كانت واحدة من أعظم المختبرات التاريخية التي تشكلت فيها أسس المدنية الإنسانية.. , ففي هذه الأرض الخصيبة بدأت الحكاية الكبرى للإنسان المستقر، ومنها انطلقت أولى المدن، وظهرت النظم الإدارية، وتبلورت مفاهيم الدولة والقانون والسلطة والتنظيم الاجتماعي.
لقد استطاع الرافدينيون الأوائل أن يحولوا الطبيعة إلى حضارة، وأن ينتقلوا بالبشرية من حالة التشتت البدائي إلى فضاء التنظيم السياسي والاجتماعي.. , ومن هنا ولدت أولى الهويات الجمعية الكبرى التي عرفها التاريخ، وتكونت اللبنات الأولى لفكرة الدولة بوصفها إطاراً جامعاً للأرض والسكان والمؤسسات.
غير أن التاريخ لم يكن يوماً خطاً مستقيماً صاعداً نحو الكمال، بل كان مسرحاً دائماً للتنافس والصراع.. , فكما نشأت الحضارات، نشأت معها نزعات القوة والتوسع والهيمنة.. , وكما ازدهرت المدن، ظهرت المنافسة بينها.. , وكما تبلورت الدولة، برزت الحروب والغزوات والنزاعات على الموارد والنفوذ.
ومن رحم هذه الصراعات نفسها ولدت الإمبراطوريات العراقية الكبرى.
فلم تكن الإمبراطوريات السومرية والأكدية والبابلية والآشورية مجرد كيانات سياسية عابرة، بل كانت تعبيراً عن نضج تاريخي وحضاري مكّن العراقيين القدماء من توحيد مساحات واسعة تحت سلطة مركزية واحدة.. , وبفعل هذا التوسع اكتسبت مناطق شاسعة من الشرق الأدنى سمات ثقافية وإدارية وحضارية ارتبطت بالمركز الرافديني، وأصبحت الهوية العراقية القديمة حاضرة في مختلف أرجاء العالم المعروف آنذاك.
* جدلية النهوض والانكسار
استمرت هذه الدورة الحضارية قروناً طويلة، لكن شأنها شأن جميع الحضارات الكبرى، تعرضت لهزات داخلية وضغوط خارجية متكررة.
ومع كل مرحلة ضعف أو تفكك كانت الدولة العراقية تعيد إنتاج ذاتها بصيغ مختلفة، فتنهض من جديد وتستعيد حضورها التاريخي.. , وهذه القدرة على التجدد تمثل إحدى الخصائص الجوهرية للشخصية العراقية عبر التاريخ.
غير أن تطور الأمم الأخرى وتعلمها أساليب التنظيم العسكري والإداري التي ابتكرها الرافدينيون أدى تدريجياً إلى ظهور قوى منافسة استطاعت تحدي المركز العراقي التاريخي. ومع تعاقب القرون بدأت الإمبراطوريات الأجنبية بالتوسع نحو بلاد الرافدين، ونجحت في بعض المراحل في السيطرة على أجزاء من أراضيها أو إخضاعها سياسياً.
ومنذ ذلك الحين دخل العراق في سلسلة طويلة من الغزوات والاحتلالات الأجنبية التي تركت آثاراً عميقة في بنيته الاجتماعية والثقافية والسياسية.
لكن ما يميز التجربة العراقية أن فترات الانكسار لم تستطع القضاء على جوهر الهوية الحضارية لهذا البلد.. ؛ فالعراق كثيراً ما بدا وكأنه ينكفئ إلى الداخل، لكنه كان يحتفظ دائماً بعناصر النهوض الكامنة في أعماقه.
لقد تغيرت الدول، وتبدلت الرايات، وتعاقبت الإمبراطوريات، إلا أن العراق ظل محتفظاً بمكانته بوصفه مركزاً حضارياً يصعب محوه من التاريخ.
*من الاحتلال العسكري إلى الهيمنة الثقافية
إن أخطر ما خلفته موجات الغزو والاحتلال المتعاقبة لم يكن الدمار المادي وحده، بل محاولات تفكيك الوعي الوطني وإضعاف الذاكرة التاريخية للأمة العراقية.
فكل قوة أجنبية كانت تدرك أن السيطرة على الأرض لا تكتمل إلا بالسيطرة على الرواية التاريخية، وأن إخضاع الشعوب يبدأ من إضعاف ثقتها بنفسها وبماضيها.
ولهذا تعرض التراث الرافديني عبر قرون طويلة إلى الإهمال والتشويه والتهميش والتغييب، في الوقت الذي جرى فيه تضخيم روايات وأفكار بديلة هدفت إلى إضعاف الانتماء الوطني العراقي واستبداله بانتماءات فرعية أو عابرة للحدود.
وقد أسهمت هذه السياسات المنكوسة في تكريس أنماط من الجهل والأمية الثقافية والتبعية الفكرية، وأدت إلى تراجع الوعي بالتراكم الحضاري العراقي الممتد عبر آلاف السنين.
* إشكالية التعليم والقوة
ولعل إحدى أهم الإشكاليات التي واجهت الأمة العراقية تمثلت في استهداف مصادر القوة المعرفية والثقافية.
فالتعليم ليس مجرد وسيلة لاكتساب المهارات، بل هو الأداة التي تنتج الوعي وتعيد تشكيل الهوية وتحدد اتجاه المجتمع.. , ولهذا كان إضعاف التعليم وتشويه المعرفة أحد الأساليب الأكثر فاعلية في تفكيك المجتمعات وإضعاف قدرتها على المقاومة.
وحين يُحرم المجتمع من المعرفة الرصينة، يصبح أكثر عرضة للانقسامات المصطنعة وللصراعات الطائفية والقومية والفئوية التي تستنزف طاقاته وتمنعه من إدراك مصالحه الوطنية العليا.
ومن هنا برز ما يسميه بعض الباحثين بالاستعمار النفسي؛ أي ذلك النمط من الهيمنة الذي لا يعتمد على الجيوش بقدر اعتماده على تشكيل العقول وإعادة هندسة الوعي الجمعي.
فالاستعمار الحديث لا يحتاج دائماً إلى احتلال مباشر، بل قد ينجح في تحويل أبناء البلد أنفسهم إلى أدوات لنشر ثقافته وتبرير هيمنته والدفاع عن مصالحه، حتى وهم يعتقدون أنهم يمارسون استقلالهم الفكري.
*الأمة العراقية ومشروع الاستعادة الحضارية
إن مشروع الأمة العراقية لا يقوم على استدعاء الماضي بوصفه مادة للتفاخر العاطفي، بل باعتباره أساساً لفهم الحاضر وبناء المستقبل.
فالأمم الحية لا تعيش أسيرة التاريخ، لكنها أيضاً لا تستطيع العيش من دون ذاكرة.
ومن هنا فإن استعادة الوعي بالهوية العراقية لا تعني الانغلاق أو التعصب، بل تعني إعادة الاعتبار للتجربة الحضارية العراقية بوصفها إطاراً جامعاً لجميع أبناء العراق بمختلف انتماءاتهم الدينية والمذهبية والقومية والاجتماعية.
لقد تعرض العراق خلال تاريخه الطويل لدورات متعاقبة من الصعود والانكسار، لكنه لم يفقد شخصيته الحضارية.. , ولذلك فإن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في إثبات وجود الأمة العراقية، بل في إعادة بناء الوعي بها، وترسيخ الهوية الوطنية الجامعة، وتجاوز الانقسامات التي أضعفت المجتمع وأعاقت مشروعه التاريخي.
فالعراق الذي كان يوماً منطلق الحضارة قادر على أن يستعيد دوره من جديد، متى ما استعاد أبناؤه ثقتهم بأنفسهم، وأدركوا أن قوة الأمم لا تنبع من أوهام الماضي، بل من قدرتها على تحويل إرثها الحضاري إلى مشروع للمستقبل.