رياض سعد
في كل بقاع الأرض، حيث توجد المقدسات والأضرحة، تضع الدول قوانينها الصارمة لحماية حرمة الأماكن الدينية وصون كرامة الزوار… ؛ وتعمل على تشديد القوانين وفرض النظام على السياح والزوار الأجانب دون استثناء.
ولعل هذا ما يدفع الزوار العراقيين وغيرهم إلى الالتزام التام بالقوانين الإيرانية دون تذمر على سبيل المثال؛ إذ تجدهم هناك هادئين لا يحركون ساكناً، لعلمهم اليقين بأن من يخالف الأنظمة — ولو عن حسن نية أو سذاجة — سيتعرض لأشد العقوبات.. , والمشهد ذاته يتكرر مع الحجاج في الديار المقدسة بالمملكة العربية السعودية، حيث لا يجرؤ زائر على التفوه بكلمة خارجة عن الضوابط ، فضلاً عن ارتكاب مخالفة صريحة، لأن مغبة ذلك الاعتقال الفوري والمحاسبة الصارمة.
* مفارقة السيادة المستباحة
لكن العراق، وكعادته، يظل الاستثناء المريض في جسد الجغرافيا … ؛ فالأمر يبدو مختلفاً عن بقية بلدان الكرة الأرضية قاطبة.. ؛ فالزائر الإيراني — ونقصد هنا البعض منهم بطبيعة الحال — يتصرف في العراق وكأن البلاد بلاده، يتصرف بنرجسية وكأنه السيد والآخرون عبيد عنده؛ فيفعل ما يحلو له متجاوزاً القوانين المحلية، علماً أن هذا الزائر نفسه يعد في وطنه من أكثر الناس التزاماً بالنظام وخوفاً من سلطة القانون.
نعم , ان بعض الزائرين الأجانب والغرباء ــ أياً كانت جنسيتهم ــ يتصرفون أحياناً وكأن التساهل والكرم العراقيين يعنيان التغاضي عن المخالفات أو التغاضي عن التجاوز على الآخرين – لاسيما الزوار الايرانيين – .
والحقيقة أن الكرم شيء، واحترام القانون شيء آخر تماماً.. , فالدولة التي تحترم نفسها لا تميز بين مواطن وأجنبي في تطبيق القانون، ولا تسمح لأحد أن يتجاوز على حقوق الناس أو كرامتهم أو أمنهم بحجة الانتماء الديني أو السياسي أو القومي.
بعض الزائرين الإيرانيين، يتصرّفون وكأنّ البلاد بلادُهم، يفعلون ما يحلو لهم غير آبهين بالقوانين المحلية … ؛ هذه الازدواجية المقلقة يجسّدها موقفٌ رواه لي السيد محمد الموسوي ، وهو موظف في مطار بغداد .
قال: «طالما تساهلت وتعاونت مع مواطن إيراني يتردّد على العراق كثيرًا، وكانت إحدى الشخصيات في السفارة الإيرانية قد أوصتني به خيرًا، فكنت أتساهل معه.. , وفي إحدى سفراته، جاء ومعه حقائب تزيد على الوزن المسموح به أضعافًا مضاعفة، وأراد شحنها على متن الخطوط الجوية العراقية من دون دفع أجور الشحن… .
وعندما رفضت والموظفون ذلك — لأن التجاوز هذه المرة كان فاضحاً ولا يمكن التغاضي عنه — ثارت ثائرة الزائر.. , و لم يحترم القانون، ولم يثمن التسهيلات في السفرات السابقة، بل صرخ بوجهي ناعتاً إياي والموظفين بأننا : “أحفاد الشمر” … !
نعم , انبرى للسيد محمد ناعتًا إياه والموظفين بأنهم «أحفاد الشمّر»، في إهانة دنيئة لرجلٍ هاشميّ النسب، لا لشيء إلا لأنهم منعوه من مخالفة القانون الذي اعتاد التفلّت منه … !
هذا السلوك الشاذ ليس طارئًا، بل هو امتداد لحالة لم تفارق العراق منذ تشكيل أول حكومة هجينة عام 1921، وصدق من قال إنه «بلد الغرباء»… ؛ والغريب أن كثيرًا من المنصّات الإعلامية لا تستطيع الجهر بجنسية المعتدين، فتقول «زوار أجانب» وتتحاشى وصفهم بالإيرانيين، كأن الحقيقة توجع أو تخالف تحالفاتٍ لا تريد للعراق أن يستردّ قراره.
والشيء بالشيء يُذكَر: في إحدى السفرات، وبينما كنت عائدًا إلى الوطن أسير في المطار، إذا بمجموعة من اللبنانيين – يبدو أنهم من الفصائل الإسلامية، إذ كان بعض الإخوة في الحشد برفقتهم – ومعهم نسوة.. , وبينما أسير بمحاذاة إحداهن، أسرعت تجرّ حقيبتها وضربتني بها.
قلت لها برفق: «على مهلِك، فهنا ناس مرضى وكبار في السن»… ؛ فثارت ثائرتها وعلت صوتها وكأنني الغريب وهي بنت البلد!
هذا الشعور المقلوب بالملكية يذكّرنا بأن التفريط بهيبة الدولة يجرّئ كل دخيل على التطاول والاستهتار واسترخاص كرامة العراقي .
* حادثة البهرة: اعتداء على الثقافة الوطنية والدولة العراقية
تتجلى ذروة هذا الاستهتار مؤخراً في حادثة الاعتداء المخزية التي تعرض لها الزوار “الشيعة البهرة” في العراق، والتي أسفرت عن توقيف 25 زائراً إيرانياً من المتورطين في هذا الاعتداء.
وقد أثار حادث الاعتداء على عدد من زوار البهرة في كربلاء المقدسة وما أعقبه من توقيف مجموعة من المتهمين بالاعتداء موجة واسعة من الاستنكار الشعبي والديني، لأن القضية لا تتعلق بمشاجرة عابرة أو خلاف شخصي، بل تمس صورة العراق ومكانته بوصفه بلداً يحتضن المراقد المقدسة ويستقبل ملايين الزائرين من مختلف الجنسيات والمذاهب والطوائف كل عام.
ومن هنا فإن الاعتداء على زوار البهرة لا يمكن النظر إليه بوصفه حادثاً عادياً… ؛ فهؤلاء الزوار قدموا إلى العراق لأداء شعائرهم الدينية وزيارة المقامات المقدسة، شأنهم شأن ملايين الزائرين الآخرين.. , والبهرة، بمختلف انتماءاتهم التاريخية والدينية، يمثلون شريحة معروفة بانضباطها واحترامها للنظام العام، كما أنهم يرتبطون بتاريخ إسلامي عريق يمتد إلى الإرث الفاطمي، ولهم حضور اجتماعي واقتصادي وثقافي معروف في بلدان عديدة.
إن الاعتداء على أي زائر بسبب معتقده أو هويته الدينية يمثل اعتداءً على مبدأ حرية المعتقد والتعايش، كما أنه يسيء إلى سمعة العراق قبل أن يسيء إلى الضحايا أنفسهم. أما إذا كان المعتدون قد تصرفوا بدافع التعصب أو الكراهية، فإن ذلك يتعارض مع قيم الإسلام والتشيع معاً، لأن أهل البيت عليهم السلام دعوا إلى الحكمة والعدل واحترام الإنسان وصون كرامته.
نعم، نرحّب بالإخوة الإيرانيين وغيرهم من زوار العتبات المقدّسة، ما داموا يؤدّون زيارتهم بأدب وانضباط واحترام للقانون… ؛ أما من يتصرّف خلاف ذلك، فلا حبًّا ولا كرامة.
لقد آن الأوان أن تفرض الدولة هيبتها على الجميع بمسطرة واحدة، وأن يتوقّف الإعلام عن مداراة الحقائق تحت يافطة «زوار أجانب»… ؛ فإما أن نكون دولة قانون تحمي ضيوفها من كل معتدٍ، وإما أن نبقى بلدًا للغرباء تطحنه ازدواجية المقاييس.
مِن الناحية الدينية والسياسية، يمثل الاعتداء على الشيعة البهرة اعتداءً صارخاً على العقيدة الإسلامية وقيم الضيافة العراقية… ؛ إن هؤلاء المعتدين أناس همج، لا يمتون للتشيع ولا لأخلاق آل البيت بأي صلة، ويجب محاسبتهم قانونياً وقضائياً بأشد العقوبات ليكونوا عبرة لغيرهم.
* من هم البهرة؟
* أصالة النسب والتاريخ: هم بقايا الدولة الفاطمة العريقة، ويعدون إخوتنا وأحبتنا في الإنسانية والإسلام.
* المكانة الاجتماعية: طبقة راقية جداً من المجتمع، عُرفوا تاريخياً بأنهم رحماء، كرماء، ولهم ثقل اقتصادي واجتماعي عالمي.
* الولاء العقائدي: هم مسلمون شيعة، تتربع العقيدة في قمة أولوياتهم، ويمتلكون غيرة واندفاعاً لا نظير له لنصرة الشيعة والدفاع عن قضاياهم.
* خاتمة
إن توقيف المعتدين الخمسة والعشرين خطوة بالاتجاه الصحيح لإعادة الهيبة للقانون العراقي، لكنها تحتاج إلى حزم سياسي وإعلامي يضع حداً لظاهرة “السياحة الدينية المنفلتة”.
على الجميع أن يدرك أن أرض العراق ليست ساحة مستباحة لتصفية الحسابات أو فرض العنجهيات وعنتريات الجماعات الدينية المتعصبة ، وأن كرامة الضيف المستجير بآل البيت من كرامة الدولة وسيادتها.
إن العراق لا يحتاج إلى خطابات الكراهية، بل إلى دولة قوية عادلة تُشعر المواطن والزائر والسائح على حد سواء بأن القانون هو السيد الوحيد في هذا البلد.. , وعندما يقتنع الجميع بهذه الحقيقة، ستختفي كثير من الظواهر السلبية التي أضرت بصورة العراق لعقود طويلة، وسيبقى البلد مفتوحاً لأبنائه وضيوفه الكرام، لا للمتجاوزين على النظام أو المعتدين على الناس.
فاحترام الزائر واجب، واحترام القانون أوجب، والعدالة وحدها هي التي تحفظ هيبة الدولة وكرامة الإنسان.
لقد حان الوقت ليقف العراق على قدميه، لا كأرض مباحة للغرباء، بل كدولة ذات سيادة تفرض قوانينها على الجميع، عرباً وعجماً، وفي ذلك حفظ لكرامة الوطن والمواطن، وصون لحرمة المقدسات والزوار.