الأمة العراقية بين الهوية التاريخية وأوهام الإنكار

إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (14)

رياض سعد

في كل مرة يُطرح فيها مفهوم “الأمة العراقية” أو “الهوية العراقية الأصيلة” أو “الشخصية الوطنية العراقية”، يخرج من يسخر من هذه المفاهيم وكأن الحديث عن العراق بوصفه أمةً ذات تاريخ متصل وجذور حضارية عميقة ضربٌ من الخيال أو التعصب أو الوهم الأيديولوجي.

والمفارقة أن كثيراً من هؤلاء لا يعترضون على حديث الفرنسي عن الأمة الفرنسية، ولا على اعتزاز المصري بهويته المصرية، ولا على دفاع الإيراني عن شخصيته الحضارية، لكنهم يتحولون إلى أشد المشككين عندما يتعلق الأمر بالعراق وحده، وكأن بلاد الرافدين هي الاستثناء الوحيد في التاريخ الذي لا يحق له امتلاك هوية أو ذاكرة أو شخصية وطنية مستقلة.

إن جوهر الإشكال لا يكمن في مفهوم الأمة العراقية نفسه، بل في سوء فهم معنى الهوية الوطنية وطبيعة تشكل الأمم عبر التاريخ.

فالهوية الوطنية ليست شعاراً سياسياً عابراً، وليست قراراً إدارياً تصدره سلطة ما، كما أنها ليست وهماً ثقافياً يمكن اختراعه بين ليلة وضحاها.. , إنها حصيلة تراكم تاريخي طويل تشارك في صنعه الجغرافيا واللغة والثقافة والاقتصاد والعادات والذاكرة الجمعية والتجارب المشتركة والانتماءات الحضارية المتعاقبة.

ولهذا تختلف الأمم في أعمارها وتجاربها ومصادر تكوينها.. ,  فليس من المنطقي أن تُقاس دولة حديثة النشأة بدولة تمتد جذورها إلى آلاف السنين.. ,  كما ليس من المعقول أن تكون الثقافة الروسية امتداداً للثقافة الصينية، أو أن تمثل الهوية التركية جوهر الهوية المصرية، أو أن تلغي الهجرات والاحتلالات المتعاقبة الخصوصيات التاريخية للشعوب.

والعراق ليس استثناءً من هذه القاعدة.

فهو أحد أقدم المراكز الحضارية في التاريخ الإنساني.. , وعلى أرضه تشكلت حضارات العبيد وسومر وعيلام وأكد وبابل وآشور، وتعاقبت عليه ممالك وإمارات وكيانات سياسية متنوعة، وتفاعلت فيه الأديان والمعتقدات والثقافات المختلفة، واحتضن موجات متلاحقة من الهجرات والتأثيرات الخارجية.. ,  ومع ذلك كله بقيت هناك شخصية حضارية عراقية متميزة حافظت على استمراريتها التاريخية رغم التحولات الكبرى.

إن الأمة العراقية لم تتكون من عنصر واحد ولا من جماعة واحدة، بل تشكلت عبر عملية تاريخية طويلة من التفاعل والاندماج والتراكم الحضاري.. ,  ولذلك فإن الحديث عن الأمة العراقية لا يعني إلغاء التنوع القومي أو الديني أو المذهبي، بل يعني الاعتراف بوجود إطار حضاري وتاريخي جامع استطاع عبر القرون استيعاب هذا التنوع وإعادة إنتاجه ضمن فضاء وطني واحد.

ومن هنا ينبغي التمييز بين الهوية الوطنية الجامعة والهويات الفرعية.

فلكل جماعة اجتماعية أو دينية أو قومية خصوصيتها الثقافية وذاكرتها الجزئية، لكن هذه الخصوصيات لا تكتسب معناها الوطني إلا عندما تندمج في إطار الهوية العراقية الكبرى… ؛ فالهوية الوطنية ليست نقيضاً للتنوع، بل هي الصيغة التي تمنح هذا التنوع إمكانية التعايش والاستمرار داخل كيان سياسي وحضاري واحد.

إن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الهويات الفرعية إلى مشاريع بديلة عن الوطن، أو عندما يُعاد تعريف العراق بوصفه مجرد ساحة لتقاطع الهويات الخارجية والمصالح الإقليمية.. ,  ففي هذه الحالة لا يعود التنوع عامل إثراء، بل يصبح مدخلاً للتفكيك والانقسام.

ولهذا فإن الاعتزاز بالعادات والتقاليد العراقية، والاهتمام بالموروث الشعبي، والافتخار بالمنجز الحضاري لبلاد الرافدين، ليس تعصباً ولا انغلاقاً ولا جهلاً بعلم الاجتماع كما يزعم البعض، بل هو سلوك طبيعي تمارسه جميع الأمم الحية التي تسعى للحفاظ على ذاكرتها الجماعية وشخصيتها الثقافية.

فالشعوب التي تفقد ذاكرتها تفقد قدرتها على صناعة مستقبلها.

غير أن الدفاع عن الهوية العراقية لا يعني الدعوة إلى الجمود أو عبادة الماضي أو تقديس التراث بكل تفاصيله.. ,  فالتاريخ ليس معبداً، والتراث ليس نصاً مقدساً.. ,  وكما أن للأمة حقاً في الاعتزاز بماضيها، فإن عليها واجباً في نقد ذلك الماضي وفرز ما يصلح منه للبقاء وما ينبغي تجاوزه.

لقد أدرك الفيلسوف الأمريكي جون ديوي هذه الحقيقة عندما تحدث عن مفهوم “القديم المستمر”، أي ذلك الجزء من الموروث الذي يواصل التأثير في الحاضر بصورة تعيق التقدم وتحد من قدرة المجتمعات على التجدد.. ,  ومن هنا فإن العلاقة الصحية مع التراث ليست علاقة قطيعة كاملة ولا علاقة خضوع مطلق، بل علاقة نقد وتمحيص واختيار.

إن الأمة العراقية التي ندافع عنها ليست أمةً متخيلة ولا مشروعاً أيديولوجياً مغلقاً، بل حقيقة تاريخية تشكلت عبر آلاف السنين من التراكم الحضاري والتفاعل الإنساني.. ,  وهي أمة قادرة على استيعاب التنوع والتجدد والتطور، من دون أن تفقد جذورها أو تتنكر لذاكرتها.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل توجد أمة عراقية؟

بل: كيف يمكن إعادة بناء الوعي بهذه الأمة بعد عقود من التشظي الطائفي والقومي والتبعية الخارجية ومحاولات اقتلاع العراق من سياقه الحضاري والتاريخي؟

إن معركة العراق في القرن الحادي والعشرين ليست معركة حدود وجغرافيا فحسب، بل هي معركة هوية وذاكرة وانتماء.. ,  ومن دون استعادة الوعي بالأمة العراقية بوصفها إطاراً جامعاً لكل العراقيين، سيبقى الوطن ساحة مفتوحة لصراعات الهويات المتناحرة ومشاريع الخارج المتنافسة.

فالأمم لا تموت عندما تُهزم عسكرياً، وإنما تموت عندما تفقد إيمانها بذاتها.