الامة العراقية : اشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (39)
مقدمة
تُعدّ مسألة الأمة من أكثر القضايا إثارةً للجدل في الفكر السياسي والاجتماعي الحديث، ولا سيما في المجتمعات التي شهدت تحولات تاريخية عميقة وصراعات حول الهوية والانتماء. وقد انشغل المفكرون طويلاً بالسؤال: كيف تنشأ الأمم؟ وما الشروط التي تجعل جماعة بشرية ما تتحول من مجرد سكان يعيشون فوق رقعة جغرافية إلى أمة تمتلك وعياً بذاتها ومصيراً مشتركاً؟
وفي إطار مشروعه الفكري “الأمة العراقية: إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل”، ينطلق الكاتب العراقي رياض سعد من رؤية ترى أن الأمة ليست معطىً عرقياً أو دينياً أو لغوياً، بل هي حصيلة صيرورة تاريخية طويلة تتفاعل فيها الجغرافيا والاقتصاد والسياسة والذاكرة الجماعية والمصالح المشتركة ضمن فضاء حضاري واحد.
إن مفهوم الأمة هنا لا يستند إلى المفهوم الديني أو القرآني للأمة، بل إلى مفهوم تاريخي–اجتماعي–سياسي يفسر كيفية تشكل الجماعات الوطنية الكبرى عبر الزمن.
* أولاً: وحدة الجغرافيا بوصفها الرحم الأول للأمة
لا يمكن الحديث عن أمة دون وجود مجال جغرافي موحد يحتضن سكانها ويؤسس لتفاعلهم المستمر عبر القرون.
وفي الحالة العراقية، تمثل وحدة حوضي دجلة والفرات الأساس الجغرافي التاريخي لنشوء الأمة العراقية. فالعراق لم يكن مجرد دولة حديثة تأسست في القرن العشرين، بل كان منذ آلاف السنين وحدة بيئية وحضارية متكاملة أنتجتها شبكة الأنهار والسواقي والأراضي الزراعية الممتدة من شمال البلاد إلى جنوبها.
لقد نشأت فوق هذه الأرض حضارات سومر وأكد وبابل وآشور، وتعاقبت عليها دول وإمبراطوريات مختلفة، لكن البنية الجغرافية الأساسية بقيت ثابتة، محافظةً على وحدة المجال الحيوي الذي أنتج المجتمع العراقي عبر العصور.
فالجغرافيا ليست مجرد أرض، بل هي إطار لإنتاج الاقتصاد والثقافة وأنماط العيش والعلاقات الاجتماعية. ومن هنا كانت وحدة الأرض والماء شرطاً أولياً لا غنى عنه في تشكل الأمة.
* ثانياً: التواصل الداخلي وشبكات الاندماج الاجتماعي
لا تتحول الجغرافيا إلى أمة ما لم تُربط أجزاؤها بشبكات تواصل فعالة.
فالطرق البرية، والسكك الحديدية، والموانئ، والجسور، ووسائل النقل الحديثة، ليست مجرد مشاريع خدمية، بل أدوات تاريخية لصناعة الأمة.
حين ينتقل الفلاح من الريف إلى المدينة، والتاجر من الجنوب إلى الشمال، والعامل من محافظة إلى أخرى، تتشكل شبكة من المصالح المتبادلة والعلاقات الاجتماعية والثقافية التي تذيب العزلات المحلية وتخلق شعوراً بالانتماء إلى فضاء وطني واحد.
لقد لعبت شبكات النقل والاتصال في أوروبا الحديثة دوراً مركزياً في بناء الأمم، كما لعبت دوراً مماثلاً في توحيد العراق اقتصادياً واجتماعياً خلال مراحل الدولة الحديثة.
* ثالثاً: الإرادة السياسية والدولة الجامعة
الأمة لا تنشأ بصورة تلقائية، بل تحتاج إلى دولة تمتلك إرادة سياسية قادرة على إدارة التعدد وتحويله إلى وحدة.
فالدولة ليست مجرد جهاز إداري أو أمني، بل هي المؤسسة التي تنظم المصالح وتدير الاختلافات وتنتج الهوية الوطنية المشتركة.
وعندما تتفكك الدولة أو تضعف سلطتها أو تنقسم مراكز القرار داخلها، تتعرض عملية بناء الأمة للتعثر وربما الانهيار.
ولهذا فإن بناء الأمة العراقية يظل مرتبطاً بوجود دولة عراقية قوية، عادلة، وقادرة على دمج مختلف المكونات في مشروع وطني واحد يتجاوز الانقسامات الفرعية.
* رابعاً: الاقتصاد الموحد ومجتمع المصالح
من أهم شروط صيرورة الأمة وجود اقتصاد وطني موحد.
فالإنسان لا ينتمي إلى وطنه بالمشاعر وحدها، بل بالمصالح أيضاً.
إن وحدة السوق الوطنية، ووحدة العملة، وتكامل القطاعات الاقتصادية، وترابط الإنتاج والاستهلاك بين مختلف المناطق، كلها عوامل تؤدي إلى خلق مجتمع مصالح واسع يشعر أفراده بأن استقرارهم وازدهارهم مرتبطان ببعضهم البعض.
وحين تنشأ هذه المصالح المشتركة تتحول الوحدة الوطنية من شعار سياسي إلى ضرورة اجتماعية واقتصادية.
* خامساً: الذاكرة التاريخية المشتركة
كل أمة تمتلك سرديتها التاريخية الخاصة التي تمنح أفرادها شعوراً بالاستمرارية عبر الزمن.
فالذاكرة الجماعية ليست ترفاً ثقافياً، بل أحد أعمدة الوجود القومي.
ولهذا تحرص القوى المحتلة أو التفكيكية غالباً على استهداف المتاحف والآثار والأرشيفات والمكتبات الوطنية، لأنها تدرك أن ضرب الذاكرة هو ضرب لأسس الأمة نفسها.
إن تاريخ العراق الممتد من سومر إلى العصر الحديث يمثل رصيداً هائلاً من الذاكرة المشتركة التي تشكل أحد أهم مرتكزات الهوية العراقية.
* سادساً: الثقافة الوطنية المشتركة
لا يكفي وجود تاريخ مشترك، بل يجب أن يتحول هذا التاريخ إلى ثقافة عامة يتشاركها الناس.
وتشمل هذه الثقافة منظومة الرموز الوطنية، والأعياد العامة، والأدب، والفنون، والبطولات التاريخية، والقصص المؤسسة للوعي الجمعي.
فالثقافة الوطنية هي التي تحول الماضي إلى حاضر حيّ داخل وجدان المجتمع.
* سابعاً: الزمن التاريخي المشترك
الأمة ليست نتاج لحظة سياسية عابرة، بل ثمرة تراكم تاريخي طويل.
إن الأجيال المتعاقبة التي تعيش فوق الأرض نفسها، وتواجه التحديات ذاتها، وتشارك في صناعة المصير المشترك، تنتج مع مرور الزمن شعوراً عميقاً بالانتماء الجماعي.
ولهذا لا يمكن اختزال الأمم إلى مشاريع سياسية مؤقتة أو تحالفات عابرة.
* ثامناً: ما لا يصنع الأمة
من أهم النتائج التي يصل إليها مشروع التأصيل العراقي أن العرق وحده لا يصنع أمة، كما أن الدين وحده لا يصنع أمة، واللغة وحدها لا تصنع أمة.
فالتاريخ يقدم أمثلة كثيرة لأمم تضم أعراقاً متعددة وأدياناً متعددة ولغات متعددة، لكنها تبقى أمماً واحدة لأنها تمتلك شروط الصيرورة التاريخية السابقة.
وقد تتغير لغة الأمة أو دينها أو أبجديتها عبر القرون، بينما تبقى الأمة نفسها مستمرة في وجودها التاريخي.
ومن هنا فإن اختزال الأمة في النسب أو السلالة أو العقيدة الدينية يمثل تبسيطاً مفرطاً لظاهرة تاريخية معقدة.
* الأمة العراقية: هوية التاريخ لا هوية السلالة
وفق هذه الرؤية، فإن الأمة العراقية ليست تجمعاً عرقياً ولا مذهبياً، بل هي نتاج آلاف السنين من العيش المشترك داخل المجال الحضاري لوادي الرافدين.
لقد تعاقبت على العراق أقوام وأديان ولغات وسلالات متعددة، لكن العراق ظل محتفظاً بشخصيته التاريخية الخاصة.
فالعراقي المعاصر ليس امتداداً بيولوجياً خالصاً للسومري أو البابلي أو الآشوري، بقدر ما هو وريثٌ للحضارة التاريخية التي تشكلت فوق أرض العراق عبر آلاف السنين.
ومن هنا فإن الأمة العراقية، في منظور رياض سعد، ليست مشروعاً مستقبلياً فحسب، بل حقيقة تاريخية قيد الاستكمال السياسي والثقافي، تتعرض أحياناً للتشويه أو الإضعاف بفعل الانقسامات الطائفية والعرقية، لكنها تستند إلى أساس حضاري أعمق وأرسخ من تلك الانقسامات.
* خاتمة
إن الأمة ليست وهماً لغوياً ولا شعاراً سياسياً، بل هي صيرورة تاريخية معقدة تتأسس على وحدة الجغرافيا، وتكامل الاقتصاد، وفاعلية الدولة، واستمرار الذاكرة، ووجود ثقافة مشتركة ومصالح متبادلة بين السكان.
وفي الحالة العراقية، فإن هذه الشروط لم تنشأ مع الدولة الحديثة، بل تمتد جذورها إلى أعماق التاريخ الرافديني… ؛ ومن هنا فإن فهم الأمة العراقية لا يكون عبر البحث عن وحدة الدم أو اللغة أو المذهب، بل عبر دراسة المسار التاريخي الطويل الذي صنع مجتمعاً عراقياً متراكماً فوق أرض واحدة، وداخل فضاء حضاري واحد، ومصير تاريخي مشترك.
…………….….
وليد يوسف عطو / شروط صيرورة الامة .