الامة العراقية : اشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (40)
رياض سعد
مقدمة
إذا كانت الأمة العراقية نتاجاً لصيرورة تاريخية ممتدة عبر آلاف السنين، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا تعثرت عملية استعادة الوعي الوطني العراقي رغم امتلاك العراق واحداً من أعرق التواريخ الحضارية في العالم؟
إن الحديث عن الأمة العراقية لا ينطلق من حنين رومانسي إلى الماضي، ولا من تمجيدٍ مجرد للحضارات القديمة، بل من محاولة فهم العوامل التي حالت دون تحول العراق الحديث إلى دولة وطنية متماسكة تعبّر عن هويته التاريخية العميقة.
لقد تعرض العراق خلال القرون الأخيرة إلى موجات متعاقبة من الاحتلالات والصراعات والانقسامات والتدخلات الخارجية، الأمر الذي أدى إلى إضعاف الشخصية الوطنية الجامعة وإحلال هويات فرعية ومتنافسة محلها. ومن هنا فإن مشروع إحياء الأمة العراقية يواجه مجموعة كبيرة من التحديات البنيوية والفكرية والسياسية والاجتماعية.
* أولاً: أزمة الهوية الوطنية وصراع الانتماءات
تتمثل إحدى أخطر العقبات في تعدد الولاءات المتنافسة داخل المجتمع العراقي.
فبدلاً من أن يكون الانتماء إلى العراق هو الإطار الأعلى الذي يحتضن جميع المواطنين، تحولت الانتماءات الطائفية والقومية والعشائرية والحزبية إلى هويات متصارعة تتقدم أحياناً على الهوية الوطنية.
إن الأمة لا تنهض عندما يفكر الفرد بوصفه ممثلاً لطائفته أو قوميته أو حزبه، بل عندما يرى نفسه جزءاً من مشروع وطني شامل يتجاوز الانقسامات الفرعية.
ولهذا فإن بناء الهوية العراقية يقتضي إعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة والانتماء الحضاري العراقي بوصفه المظلة الجامعة للجميع.
* ثانياً: الإرث الاستعماري وتفكيك المجال الوطني
لم يكن العراق الحديث بمنأى عن تأثيرات القوى الخارجية التي سعت، بدرجات متفاوتة، إلى إعادة تشكيل بنيته السياسية والاجتماعية بما يخدم مصالحها.
وقد تركت مراحل الاحتلال والتدخل الأجنبي آثاراً عميقة على مؤسسات الدولة وعلى الوعي الجمعي، فأنتجت نخباً سياسية مرتبطة بمشاريع خارجية أكثر من ارتباطها بالمشروع الوطني العراقي.
إن استمرار التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية للخارج يمثل أحد أهم العوائق أمام استعادة القرار الوطني المستقل.
* ثالثاً: الطائفية السياسية
ليست الطائفية بوصفها تنوعاً دينياً هي المشكلة، بل تحويل الانتماء الطائفي إلى أداة للصراع السياسي وتقاسم السلطة والثروة.
لقد أدت الطائفية السياسية إلى تفكيك مفهوم المواطن وتحويل الدولة إلى ساحة تنافس بين الجماعات بدلاً من كونها مؤسسة تمثل الأمة بأسرها.
وفي ظل هذه المعادلة يصبح الولاء للطائفة مقدماً على الولاء للوطن، وتصبح الدولة نفسها أسيرة الانقسامات التي كان يفترض بها تجاوزها.
* رابعاً: القومية المغلقة وتنازع المشاريع فوق الوطنية
واجه العراق، خلال القرن العشرين، مشاريع أيديولوجية متعددة سعت إلى دمجه في هويات أوسع أو بديلة عن هويته التاريخية الخاصة.
فقد طُرحت مشاريع قومية ودينية وأممية مختلفة، بعضها نظر إلى العراق بوصفه مجرد جزء من مشروع أكبر، لا بوصفه أمة تمتلك شخصيتها التاريخية المستقلة.
ومن منظور الأمة العراقية، فإن أي مشروع يضع قضية خارج العراق فوق قضية العراق نفسه يساهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إضعاف الوعي الوطني العراقي.
* خامساً: الانقسام المناطقي وضعف الاندماج المجتمعي
لا يمكن للأمة أن تتشكل بصورة متكاملة إذا تحولت مناطق البلاد إلى جزر معزولة اجتماعياً واقتصادياً ونفسياً.
فكلما ضعفت الروابط بين المحافظات والمناطق المختلفة، ازدادت فرص نمو العصبيات المحلية والهويات الجزئية.
إن وحدة السوق الوطنية، وشبكات النقل، والتعليم الموحد، والخدمة العامة المشتركة، تمثل أدوات أساسية لإعادة دمج المجتمع العراقي داخل فضاء وطني واحد.
لقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تتكون من تجمعات بشرية متجاورة فحسب، بل من جماعات مندمجة تتشارك المجال العام والمصالح والمصير المشترك.. , ولذلك فإن تحول بعض المناطق إلى كيانات مغلقة اجتماعياً أو سياسياً أو ثقافياً، تنظر بريبة إلى بقية العراقيين أو تضع الحواجز النفسية بينهم وبين سكانها، يمثل عقبة حقيقية أمام اكتمال صيرورة الأمة العراقية… ؛ فالوطن الذي لا يستطيع أبناؤه التنقل والعمل والاستقرار والتفاعل داخله بوصفهم مواطنين متساوين، يتحول تدريجياً إلى فسيفساء من الهويات المتنافسة بدلاً من أن يكون أمة واحدة موحدة.
* سادساً: الفساد وتحويل الدولة إلى غنيمة
يُعد الفساد من أخطر معوقات بناء الأمة العراقية.
فالفساد لا يقتصر على سرقة المال العام، بل يؤدي إلى تدمير الثقة بين المواطن والدولة، ويقوض فكرة العدالة، ويحول المؤسسات إلى أدوات لخدمة المصالح الخاصة بدلاً من خدمة الصالح العام.
وحين يشعر المواطن بأن الدولة لا تمثله، تتراجع هويته الوطنية وتتقدم الهويات البديلة.
* سابعاً: تدمير الذاكرة التاريخية
الأمم تعيش بذاكرتها كما تعيش بأرضها.
وقد تعرض العراق خلال العقود الماضية لخسائر جسيمة في آثاره ووثائقه ومؤسساته الثقافية، فضلاً عن محاولات إعادة كتابة التاريخ من زوايا أيديولوجية ضيقة.
إن استعادة الوعي الوطني العراقي تتطلب إعادة إحياء الذاكرة الرافدينية والعراقية بوصفها ملكاً لجميع العراقيين، لا حكراً على جماعة أو مذهب أو قومية.
* ثامناً: الاقتصاد الريعي وضعف المصالح الوطنية المشتركة
تعتمد الأمم القوية على شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية المتبادلة بين أفرادها ومناطقها.
أما الاقتصاد الريعي القائم على توزيع الثروة دون إنتاج حقيقي، فإنه يخلق مجتمعات استهلاكية وجماعات ضغط تتنافس على الموارد بدلاً من التعاون لإنتاجها.
ومن دون اقتصاد وطني منتج يصعب بناء أمة متماسكة ومستقرة.
* تاسعاً: ضعف النخبة الوطنية
لا تستطيع أي أمة أن تنهض من دون نخبة فكرية وثقافية وسياسية تؤمن بمشروعها التاريخي.
وقد عانى العراق طويلاً من هيمنة نخب منشغلة بالصراعات الأيديولوجية أو الطائفية أو الحزبية، على حساب المشروع الوطني الجامع.
ولهذا فإن أحد شروط النهوض يتمثل في ظهور نخبة عراقية جديدة تنظر إلى العراق باعتباره غايةً في ذاته، لا وسيلة لخدمة مشاريع أخرى.
* عاشراً: أزمة التعليم والثقافة الوطنية
لا تُبنى الأمم بالقوة العسكرية وحدها، بل تُبنى أيضاً في المدارس والجامعات والمؤسسات الثقافية.
إن المناهج التعليمية التي تعجز عن بناء شعور وطني جامع تساهم في إنتاج أجيال منقسمة في رؤيتها للذات وللتاريخ وللمستقبل.
ولهذا فإن إعادة بناء الثقافة الوطنية العراقية تمثل ضرورة استراتيجية لا تقل أهمية عن إعادة بناء الاقتصاد أو الدولة.
*الحادي عشر: الزعامات الغريبة و الولاءات العابرة للحدود وإشكالية الانتماء الوطني
من العوائق التي واجهت مشروع بناء الأمة العراقية عبر تاريخها الحديث صعود زعامات سياسية أو دينية أو أيديولوجية جعلت مركز ولائها الفكري أو السياسي أو العاطفي خارج حدود العراق، بحيث أصبح الوطن العراقي جزءاً من مشروع أوسع، لا مركز المشروع ذاته.
ولا يتعلق الأمر بالأصول العائلية أو الإثنية أو الدينية للأفراد، فالأمم الحديثة لا تُبنى على نقاء الأنساب، بل على وحدة الانتماء والولاء السياسي. إنما تكمن الإشكالية الحقيقية في طبيعة المرجعية التي تحكم القرار السياسي وتحدد سلّم الأولويات.
فقد أثبتت تجارب التاريخ أن النخب والزعامات التي تربط مصيرها السياسي أو العقائدي أو الاقتصادي بقوى خارجية فضلا عن الزعامات الاجنبية والقيادات الغريبة ، غالباً ما تجد نفسها أمام معادلة صعبة عند تعارض مصالح الوطن مع مصالح تلك القوى الخارجية .
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية الحرجة تظهر أزمة الولاء، ويتبين ما إذا كان الوطن يمثل المرجعية العليا أم أنه مجرد ساحة ضمن مشروع أكبر.
ومن هنا جاء المثل العربي الشهير: **”ما حكّ جلدك مثل ظفرك”**، وهو تعبير رمزي عن حقيقة سياسية واجتماعية مفادها أن المجتمعات لا يستطيع الدفاع عن مصالحها الحقيقية إلا أبناؤها الاصلاء الذين يرون مستقبلهم ومستقبل أبنائهم مرتبطاً بمستقبل الوطن نفسه.
كما عبّر العرب قديماً عن هذه الفكرة بقولهم: **”أهل مكة أدرى بشعابها”**، أي أن أبناء البيئة هم الأقدر على فهم تعقيداتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والنفسية… ؛ فالقيادة الوطنية الناجحة لا تحتاج إلى الولاء فحسب، بل تحتاج أيضاً إلى معرفة عميقة بتاريخ المجتمع وتركيبته ومشكلاته وتطلعاته.
وقد شهد التاريخ الإنساني نماذج عديدة لأزمات نتجت عن تضارب الولاءات.. , فالإمبراطوريات متعددة القوميات كثيراً ما واجهت صعوبات في الحفاظ على تماسكها عندما أخذت النخب المحلية فضلا عن الاجنبية تربط مصيرها بمراكز نفوذ خارجية.
كما أن كثيراً من الدول الحديثة عانت من انقسامات داخلية حين تحولت بعض القوى السياسية إلى امتدادات لمشاريع إقليمية أو دولية تتجاوز حدود الدولة الوطنية.
وفي الحالة العراقية، أسهمت عقود طويلة من الصراعات الإقليمية والتجاذبات الدولية في إنتاج بيئات سياسية منقسمة بين ولاءات متعددة؛ فظهرت تيارات تنظر إلى العراق من خلال منظور قومي عابر للحدود، وأخرى من خلال منظور طائفي أو مذهبي أو أيديولوجي يتجاوز حدود الدولة العراقية، وثالثة من خلال ارتباطات دولية واقتصادية وسياسية خارجية منكوسة .
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تضعف تشكل الوعي الوطني المشترك، إذ يصبح المواطن منجذباً إلى مركز رمزي أو سياسي خارج وطنه أكثر من انجذابه إلى وطنه نفسه.. , وعندما تتعدد مراكز الولاء، تتراجع فكرة الأمة الواحدة لتحل محلها مشاريع متنافسة تتنازع المجتمع والدولة.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى الانغلاق أو العداء للشعوب الأخرى، فالأمم الحية تتفاعل مع محيطها الإقليمي والعالمي وتبني علاقات تعاون ومصالح متبادلة.. , لكن ثمة فرقاً جوهرياً بين التعاون مع الخارج وبين الارتهان له، وبين الانفتاح على العالم وبين تحويل الوطن إلى تابع لمراكز قوة خارجية.
ومن منظور مشروع الأمة العراقية، فإن شرط النهضة الوطنية يتمثل في ترسيخ مبدأ بسيط وعميق في آن واحد: أن يكون العراق هو المرجعية السياسية العليا لجميع القوى والنخب والمؤسسات، وأن تكون مصلحة الأمة العراقية فوق أي اعتبار أيديولوجي أو مذهبي أو قومي أو إقليمي أو دولي… ؛ ولكن هذا لا يعني اهمال الروح العراقية والجذور الوطنية الاصيلة .
اذ تذهب الرؤية الرافدينية إلى أن استقرار الدولة العراقية وتعاظم الروح الوطنية يرتبطان بظهور نخب عراقية اصيلة – ليست طارئة ولا متجنسة ولا هجينة ولا ذات جذور اجنبية – مؤمنة بالهوية الحضارية العراقية المتجذرة في تاريخ وادي الرافدين، بحيث يكون انتماؤها الأول للعراق وتاريخه ومصالحه العليا، لا للهويات والمشاريع التي تتجاوز حدوده.
فكلما ترسخت المرجعية العراقية في الوعي السياسي للنخب، اقترب المجتمع من استكمال صيرورة الأمة العراقية بوصفها أمةً تاريخيةً مستقلة الشخصية والهوية والمصير
فالأمم لا تنهض عندما تصبح أوطانها ساحات لتصفية الحسابات بين الآخرين، بل تنهض عندما يتحول الوطن نفسه إلى مركز الولاء الأول والأخير، وإلى الإطار الجامع الذي تلتقي داخله جميع الانتماءات الفرعية تحت سقف المصلحة الوطنية العليا.
* خاتمة
إن مشروع إحياء الأمة العراقية ليس مشروعاً عرقياً ولا طائفياً ولا إقصائياً، بل مشروع حضاري يسعى إلى استعادة الوعي التاريخي المشترك لسكان العراق ضمن إطار وطني جامع.
فالطريق إلى نهضة العراق لا يمر عبر تعميق الانقسامات، وإنما عبر بناء دولة المواطنة، واستعادة الذاكرة الوطنية، وتعزيز المصالح المشتركة، وترسيخ السيادة والاستقلال، وإعادة الاعتبار للهوية العراقية بوصفها الحاضنة التاريخية لجميع أبناء العراق.
وكلما نجح العراقيون في تحويل العراق من ساحة للصراعات المتنافسة إلى وطنٍ جامعٍ لمواطنيه، اقتربت الأمة العراقية من استكمال صيرورتها التاريخية واستعادة دورها الحضاري في المنطقة والعالم.