منذ سنوات طويلة يحاول النظام الإيراني تقديم نفسه بصفته حامياً للقضايا الإسلامية ومدافعاً عن المستضعفين، إلا أن سياساته وممارساته الإقليمية تقدم صورة مختلفة لدى كثير من المتابعين. فبين الشعارات التي يرفعها عن العدالة ونصرة الشعوب، وبين تحالفاته وتحركاته السياسية، تظهر تناقضات عميقة جعلت كثيرين يرون أن الخطاب الديني يُستخدم كوسيلة لتغطية مشروع نفوذ سياسي وتوسعي في المنطقة.
فالنظام الذي يرفع شعارات دينية كان في الوقت نفسه حليفاً وثيقاً لنظام بشار الأسد خلال سنوات الصراع السوري، حيث تعرض الشعب السوري لعمليات قمع واسعة ودمار هائل، وسقط عدد كبير من الضحايا نتيجة العمليات العسكرية التي استهدفت المدن والمناطق السكنية، بما في ذلك استخدام البراميل المتفجرة التي ارتبطت بتلك المرحلة. وهذا التحالف كشف، في نظر منتقدي طهران، أن الحسابات السياسية والاستراتيجية تتقدم على المبادئ التي يعلنها النظام أمام الشعوب.
وفي العراق، ارتبط النفوذ الإيراني بدعم قوى سياسية وفصائل مسلحة ساهمت في زيادة الانقسامات الداخلية وتعقيد المشهد السياسي، في وقت عانى فيه العراقيون من الفساد وضعف الخدمات والأزمات المتراكمة. ويرى منتقدو السياسة الإيرانية أن هذا النهج لم يكن قائماً على بناء علاقات متوازنة بين الدول، بل على توسيع النفوذ والتأثير في القرار الداخلي للدول المجاورة.
أما علاقة إيران بالصين وروسيا، فهي تعكس جانباً آخر من سياستها الخارجية؛ إذ تقوم هذه العلاقات على المصالح المشتركة والحسابات الدولية أكثر من أي تقارب فكري أو ديني. فالتعاون مع قوى توصف بأنها ذات أنظمة سلطوية يضع علامات استفهام حول مدى انسجام الخطاب المعلن مع الواقع العملي للسياسة الإيرانية.
وتزداد الانتقادات عندما تصدر تصريحات من مسؤولين إيرانيين مثل علي أكبر ولايتي تحمل لغة فوقية تجاه دول الخليج العربي. فالتحدث عن المنطقة بمنطق السيطرة والنفوذ، وربط استقرار دولها بالقدرة الإيرانية على إدارة الممرات البحرية، يعكس رؤية يعتبرها كثيرون امتداداً لعقلية الهيمنة وليس لعلاقات حسن الجوار.
كما أن استخدام تسمية الخليج الفارسي في الخطاب الإيراني الرسمي، بدلاً من اعتماد خطاب يراعي حساسيات المنطقة وشعوبها، أصبح جزءاً من الصراع السياسي والرمزي حول الهوية والنفوذ. ويضاف إلى ذلك استمرار قضية احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، باعتبارها أراضٍ إماراتية تطالب دولة الإمارات باستعادتها وإنهاء هذا الوضع.
إن دول المنطقة لا تحتاج إلى خطابات تقوم على الاستعلاء أو فرض الوصاية، بل إلى علاقات تقوم على احترام السيادة وعدم التدخل في شؤون الآخرين. فالقوة الحقيقية لا تُقاس بالتهديد والتحكم بالممرات الاستراتيجية، وإنما بقدرة الدول على تحقيق الاستقرار وبناء الثقة مع شعوبها وجيرانها
علي جاسم ياسين