حين تعود الوجوه بلا ذاكرة والنفوس بلا عاطفة

رياض سعد

لم يكن ينام قبل أن يراه، كأن الليل لا يكتمل إلا بظله، وكأن صوته هو الخيط الأخير الذي يربط العالم بمعناه.. ,  كانت صداقتهما في المراهقة ليست علاقة عابرة، بل تشبه اعتقادًا سريًا لا يُقال، أقرب إلى طقسٍ يوميٍّ خفيٍّ يُمارَس دون وعي، حيث يتحول الصديق إلى مرآة، ثم إلى فكرة، ثم إلى كائنٍ يكاد يلامس التقديس.

ولا غرو في ذلك، فتلك هي طبيعة صداقات المراهقين وقوانينها، إذ قد يتحول الصديق القريب والخليل الحبيب إلى “إله مصغر” أو صنم يُعبد من دون الله.

لكن الزمن، ذلك الذي لا يترك شيئًا على حاله، شقّ بين رامي وسامي مسافةً لا تُقاس بالأيام والسنوات فقط، بل بما يتراكم في الروح من تبدّلٍ صامت. تفرقا كما تتفرق أمواج البحر بعد عاصفة، لا وداع واضح، ولا نهاية معلنة، فقط انطفاء تدريجيّ لشيءٍ كان يظن نفسه أبديًا.

فرقت بين رامي وسامي السنون والأيام ؛ تلك المطاحن الصامتة، دارت دوراتها القاسية ؛

وطوَت الذاكرةُ ما كان بينهما من ودّ.

وفي إحدى صالات مطاعم العاصمة المزدحمة، حيث ضجيج الأطباق وصيحات النادلين، وحيث الوجوه تمرّ كأنها استعارات بلا أسماء، التقت العينان صدفة.

توقف الزمن لحظة، أو هكذا بدا لرامي.. ؛  كان وجه سامي مألوفًا بشكل يجرح الذاكرة، كأنه محفور في طبقة أعمق من النسيان.. ؛  أما سامي، فشعر بانجذاب غريب، كأن شيئًا قديمًا في داخله يحاول أن يتذكر سببًا لا يتذكره.

امتدت النظرات بينهما أطول من المنطق، كأنها تحاول استنطاق ماضٍ فقد لغته.. ؛ وفك شفرات الملامح المتغيرة، وتبدل الطباع، وتحول الشخصيات إلى نقيضها تماماً ,  لم تكن نظرات لقاء، بل نظرات اختبار: هل أنت أنت حقًا؟

أم مجرد نسخة مرّت بها الحياة ثم أعادت تدويرها في هيئة أخرى؟

جاء صوت الأب، جافًا، قاطعًا، كحجر يسقط في ماء راكد: — سامي… هذا رامي، صديقك القديم. أما زلت لا تذكره؟

إلا أن والد سامي، الذي كان يجلس بجانبه، هو من قطع الشك باليقين قائلاً: “سامي، هذا رامي صديقك… هل نسيته؟!”.

أدرك والد سامي، الذي يجلس بجانبه ؛  كجبلٍ أكلت عوامل الزمن أطرافه، وبقيت منه هيبةٌ لا تستطيع الأيام محوها … ؛ هذه الهزة الوجودية والحيرة العاطفية .. ؛  كان هو الجسر الوحيد المتبقي بين ضفتين انهارتا.. ؛ اذ قال بصوت هادئ، قاطعاً به حيرة الشك:

“سامي…؛ هذا رامي، شطر روحك القديم.. ؛ هل نسيته  ؟! “

انتفض الجسدان في لحظة واحدة كأن صعقة كهربائية أصابتهما.. ؛ قفزا من مقعديهما، مدفوعين بذاكرة العضلات لا بوعي الحاضر.. ؛ اقتربا، لكن خطى كل منهما كانت ترتطم ببرزخ خفي من الجليد.

التقى الاثنان في المسافة الفاصلة بين الذاكرة والغرابة…

لا عناق.. ,  لا دموع.. ,  لا ذلك الانفجار العاطفي الذي يُنتظر عادة في مثل هذه اللحظات.. ,  ولم يقبّل أحدهما الآخر كما يفعل العراقيون في لقاءاتهم الحارة … ؛  سؤالان بسيطان، كأنهما يُختزلان كل العمر:

— أنت سامي؟

— وأنت رامي؟

–           بلى .

تلا ذلك ثلاث دقائق من اللغو الجنائزي.. ؛  أسئلة باردة كالمعادن عن الأهل والصحة، كلمات ميتة خالية من الدسم العاطفي، تُقال لمجرد ملء الفراغ المرعب الذي تركه غياب الحب القديم.. ,  كانت الحروف تخرج من أفواههما وتتساقط فوراً على الأرض لتتحطم مثل زجاج رخيص.

ثم، بآلية مفرطة، أدار كل منهما ظهره للآخر ومضى في سبيله، مخلّفين وراءهما جثة ذكرياتهما ملقاة بين الأطباق الساخنة.

نعم , ثلاث دقائق فقط كانت كافية لتثبيت شيءٍ مرعب: أن ما كان بينهما لم يعد صالحًا للاستخدام، وأن الذاكرة لا تكفي لإحياء علاقة ماتت في منطقة لا يزورها القلب..

افترقا كما يلتقي الغريبان: بأدبٍ كامل، وغيابٍ داخليٍّ تام..

وغادر كلٌّ منهما وهو يحمل دهشة صامتة واحدة:

كيف تتحول العِشرة التي كانت يومًا حياةً كاملة إلى مجرد اسمٍ يمكن نسيانه بسهولة …؟!

نعم ؛ يُخيّل للمرء أحياناً، أن الناس الذين نعاشرهم بحب وود، يموتون ويدفنون تحت الثرى، ثم يبعثون إلينا بلا ذاكرة.

ثم جلس سامي يحدق في الفراغ، وقد تملكه يقين مرعب: إن أولئك الذين نُسرف في حبهم، لا يرحلون عنا إلى مدن أخرى، بل يموتون سراً، ويدفنون في مقابر جماعية داخل رؤوسنا، ثم يخرجون ذات يوم إلى الشوارع متقمصين أجساداً غريبة، يمشون بيننا بلا ذاكرة، كأنهم لم يولدوا يوماً في دمنا.