لقمان البرزنجي .. کاتب و صحفي
لا يمكن قراءة اي تحرك سياسي يهدف إلى استئصال شافة الفساد بمعزل عن البيئة الجيوسياسية والمحلية التي ولد فيها هذا التحرك. إن اعلان معالي دولة رئيس الوزراء السيد علي الزيدي عن عزمه المضي قدما في تصفية المفسدين وملاحقة شبكات المنتفعين يحمل في ظاهره طابعا راديكاليا ومحاولة جادة لإعادة بناء الثقة المفقودة بين المواطن ومؤسسات الدولة التي نخرها الفساد على مدار عقود. هذا التوجه يعكس استجابة واضحة لمطالب شعبية ملحة وضغوطات متزايدة تفرض ضرورة إيجاد مسار تصحيحي ينقذ الدولة من التحلل المؤسساتي والاقتصادي. مع ذلك فإن تفكيك شبكات الفساد ليس مجرد قرار إداري او رغبة ذاتية عابرة، بل هو عملية اشبه بالسير في حقل الغام سياسي. فالفساد في النظم السياسية المعاصرة غالبا ما يكون فسادا بنيويا محصنا بالتوافقات الحزبية والولاءات الفرعية، حيث تتداخل المصالح المالية والاقتصادية لشبكات النفوذ مع مراكز القوى السياسية والأمنية. بناء على هذا الواقع، فان التحدي الأكبر الذي يواجه الزيدي لا يكمن في إثبات (صدق نواياه) للمراقبين، بل في مدى قدرته على الصمود امام الثورة المضادة التي ستشنها تلك الكتل المتضررة من أي عملية إصلاح حقيقية. يرى جانب من المحللين والخصوم السياسيين أن هذه الحملات الموجهة ضد الفساد قد لا تخلو من توظيفات سياسية تهدف إلى إعادة ترتيب موازين القوى. وتصفية الخصوم تحت غطاء إنفاذ القانون. فالإطناب في الوعود الإصلاحية دون إشفاعها باليات مؤسساتية مستقلة. مثل قضاء نزيه تماما وهيئات رقابية عابرة للمحاصصة. قد يحول المشروع من خطة انقاذ وطنية شاملة إلى أداة لتقليم أظافر أطراف معينة لحساب أطراف أخرى. لذا فإن المحك الحقيقي لجدية علي الزيدي يتلخص في ثلاث ركائز أساسية الاول هي( الشمولية والعدالة) هل ستطال هذه الملاحقات الجميع دون استثناء. ام ستتوقف عند خطوط حمراء تفرضها التوازنات السياسية . الثاني هل ستتحول هذه الحملة إلى قوانين وتشريعات دائمة تحمي المال العام، أم ستبقى مرتبطة بوجود الزيدي في هرم السلطة؟ نقطة اخری هي الشفافية إشراك الرأي العام بوضوح في نتائج التحقيقات لضمان عدم تسييس الملف.إن جدية علي الزيدي في تصفية المفسدين تظل رهينة بالنتائج على الأرض لا بالشعارات. فرغم وجود مؤشرات رغبة في إحداث خرق بجدار الفساد السميك. إلا أن هذا التحرك يصطدم بـ (الدولة العميقة) وشبكات المصالح المعقدة. ستبقى هذه الحملة محل شك وخلاف سياسي ما لم تبتعد عن الانتقائية. وتتحول من معركة إرادات سياسية شخصية إلى معركة مؤسسات وقانون عادلة تشمل الجميع.