ياسين (الهاشمي) بين الإرث العثماني وأزمة الهوية العراقية: قراءة في الجدل السياسي والطائفي

رياض سعد

* مقدمة

عندما يُذكر ياسين (الهاشمي)** في التاريخ السياسي العراقي، فإن صورته لا تنفصل عن الجدل الكبير الذي أحاط بشخصيته وسياساته… ؛  فالرجل الذي جاء من المدرسة العسكرية العثمانية وتدرج في مؤسسات الدولة العثمانية قبل انهيارها، وجد نفسه بعد عام 1921 أحد أبرز أركان النظام الملكي الهجين الذي أسسه البريطانيون في العراق.

ولذلك فإن فهم شخصيته لا يمكن أن يتم بمعزل عن البيئة الفكرية والسياسية التي أنتجته؛ بيئة تشكلت في ظل ثقافة عثمانية مركزية كانت تنظر إلى المجتمع من الأعلى، وتتعامل مع الهويات المحلية والدينية بوصفها ملفات ينبغي ضبطها ومراقبتها لا شراكات وطنية ينبغي احتضانها.

لقد كانت الدولة العراقية الناشئة تعاني منذ ولادتها من أزمة تمثيل حقيقية… ؛  فبينما كانت الأغلبية السكانية من أبناء الوسط والجنوب مهمشة ومبعدة … ؛  ظلت السلطة السياسية والعسكرية والإدارية متمركزة إلى حد كبير بيد نخب هجينة واجنبية تشكلت في المدارس العسكرية والإدارية العثمانية.. ,  وكانت هذه النخب تحمل تصوراتها الخاصة عن الدولة والمجتمع، وهي تصورات لم تنسجم دائماً مع الواقع العراقي وتنوعه الديني والاجتماعي.

نعم , يُعد ياسين الهاشمي واحداً من أكثر الشخصيات إثارةً للجدل في تاريخ العراق الملكي… ؛  فالرجل الذي تولى رئاسة الوزراء مرتين، وقدم نفسه بوصفه رجل دولة وقائداً سياسياً بارزاً، ظل محل خلاف حاد بين الباحثين والمؤرخين بسبب  جذوره الاجنبية , و خلفيته العثمانية وسياساته الداخلية ؛ ولا سيما في ما يتعلق بعلاقته بالمجتمع الشيعي والشعائر الدينية في العراق.

* الخلفية العثمانية لياسين (الهاشمي)

ولد ياسين في بغداد سنة 1884 ونشأ في ظل الدولة العثمانية… ؛ وقد تلقى تعليمه في المدارس العسكرية العثمانية وتدرج في الجيش العثماني حتى وصل إلى مراتب متقدمة، الأمر الذي جعله جزءاً من النخبة العسكرية والإدارية التي حكمت الولايات العربية باسم إسطنبول قبل انهيار الدولة العثمانية… ؛ وقد أسهمت هذه النشأة العثمانية الطائفية الحاقدة في تكوين شخصيته الاجتماعية و رؤيته السياسية التي كانت تميل إلى الطائفية والمركزية والانضباط العسكري وإخضاع المجتمع لسلطة الدولة.

وقد تلقى تعليمه في المدارس العسكرية العثمانية وتدرج في الجيش العثماني حتى وصل إلى مراتب متقدمة، الأمر الذي جعله جزءاً من النخبة العسكرية والإدارية التي حكمت الولايات العربية باسم إسطنبول قبل انهيار الدولة العثمانية.

ولذلك يرى عدد من الباحثين أن (الهاشمي) كان أقرب إلى نموذج رجل الدولة العثماني الاجنبي منه إلى نموذج السياسي العراقي الوطني الذي نشأ من رحم المجتمع المحلي… ؛  فالرجل لم يتشكل سياسياً داخل الحواضر الدينية أو العشائرية العراقية، وإنما داخل المؤسسة العسكرية العثمانية التي كانت تنظر إلى الولايات العربية باعتبارها أطرافاً تابعة لمركز السلطة في اسطنبول .

ومن هنا نشأت إحدى الإشكاليات الكبرى في الدولة العراقية الناشئة: هل كانت الدولة الجديدة تعبر عن المجتمع العراقي بكل مكوناته، أم أنها كانت استمراراً لهيمنة نخب هجينة واجنبية وغريبة ورثت مواقعها من العهد العثماني؟

* أزمة الشعائر الحسينية

بلغ التوتر بين حكومة ياسين (الهاشمي) وقطاعات واسعة من المجتمع الشيعي ذروته سنة 1936.

فقد تشكلت الوزارة الأولى برئاسة ياسين  في  آذار/مارس 1935، في عهد غازي الأول، بعد استقالة وزارة علي جودت الأيوبي ... , واتخذت السلطة سلسلة إجراءات استهدفت تنظيم المواكب والشعائر الحسينية وتقييد حركتها… ؛  وقد رأت الحكومة الهجينة أن هذه الإجراءات تدخل ضمن إطار حفظ النظام العام، بينما نظر إليها أبناء النجف وكربلاء والكاظمية والعديد من مدن الفرات الأوسط والجنوب بوصفها استهدافاً مباشراً لشعائر دينية متجذرة في الوجدان الشعبي العراقي.

ومن أبرز الإجراءات التي أثارت الاحتجاجات:

* منع جمع التبرعات الخاصة بالمواكب الحسينية.

* تقييد إقامة المواكب خارج العتبات المقدسة.

* فرض قيود على ممارسة بعض الشعائر في بغداد والكاظمية.

* تشديد الرقابة الأمنية على النشاطات الدينية خلال شهر محرم.

وقد ولدت هذه الإجراءات شعوراً واسعاً بأن الدولة تتدخل في الشؤون الدينية للمجتمع، خصوصاً أن الشعائر الحسينية لم تكن مجرد طقوس دينية بالنسبة لكثير من العراقيين، بل كانت تمثل جزءاً من الهوية الاجتماعية والثقافية المتوارثة عبر الأجيال.

وتطوّرت هذه النزعة الطائفية، وترسّخت معها هذه السيرة المنكوسة، حتى بلغ الأمر – بحسب ما يرويه عدد من الشهود وكبار السن – أن أقدم بعض الوافدين والمتجنسين لاحقًا، ولا سيما من بعض الجاليات العربية والفلسطينية، على تسفيه هذه الشعائر علنًا، والدخول في صدامات مع أبناء المجتمع العراقي في أكثر من مكان وزمان.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل ما زالت تُسجَّل، حتى اليوم، مواقف وخطابات صادرة عن بعض الجهات والتيارات – لاسيما ابناء الفئة الهجينة – تدعو أطرافًا خارجية أو غير عراقية إلى التدخل في الشأن العراقي، بما يفاقم الانقسام الداخلي ويغذي الصراع السياسي والطائفي، على حساب سيادة الدولة ووحدة المجتمع.

* أحداث الكاظمية

كانت الكاظمية من أكثر المناطق التي شهدت توتراً خلال تلك الفترة… ؛ فمع تصاعد الإجراءات الحكومية واحتجاج الأهالي وقعت صدامات بين القوات الحكومية والجماهير، وسقط ضحايا وجرحى واعتُقل عدد من المشاركين في الاحتجاجات.

كما أثار مشروع إزالة بعض المقابر والمرافق المحيطة بالمرقد الكاظمي استياءً واسعاً بين السكان الذين رأوا فيه اعتداءً على حرمة المكان وموروثه الديني والتاريخي.

وأصبحت الكاظمية رمزاً للمواجهة بين سلطة تسعى إلى فرض قراراتها بالقوة وبين مجتمع يرفض المساس برموزه الدينية.

وتنسب بعض الروايات التاريخية إلى ياسين أنه كان يتباهى بما عُدَّ آنذاك إساءةً لشعائر عاشوراء في الكاظمية، إذ يُقال إنه تفاخر بهدم إحدى منارات الحضرة الكاظمية، وأنه ركل إحدى قدور الطعام المعدّة للمناسبة وقلبها بقدمه…

* كربلاء ورفض قرارات المنع

في كربلاء كان المشهد أكثر تعقيداً… ؛ فقد أصر الأهالي على إحياء الشعائر الحسينية رغم القيود الحكومية.

وتتحدث المصادر المحلية عن تجمعات كبيرة للمشاركين في الشعائر داخل البساتين والمناطق المحيطة بالمدينة قبل دخولهم إلى مركزها… ؛ وعندما حاولت السلطات فرض قراراتها واجهت مقاومة اجتماعية واسعة جعلت تطبيق تلك الإجراءات أمراً بالغ الصعوبة.

وهكذا تحولت كربلاء إلى ساحة اختبار حقيقية لحدود سلطة الدولة أمام قوة المجتمع وقدرته على الدفاع عن تقاليده الدينية.

إن التبريرات التي ساقتها حكومة ياسين، من قبيل الحفاظ على النظام العام، أو تنظيم التجمعات، أو معالجة الحركة المرورية، تبدو – في نظر منتقديها – ذرائع سياسية أكثر منها مبررات إدارية حقيقية. فالممارسة العملية، كما يراها هؤلاء، كشفت أن الهدف كان فرض مزيد من القيود على الشعائر الدينية والضغط على جمهورها، لا تنظيمها أو تسهيلها.

ومن هذا المنظور، لم تكن تلك الإجراءات مجرد قرارات ظرفية، بل مثلت نهجًا سياسيًا استمر أثره سنوات طويلة، وأسهم في تعميق الانقسام بين الدولة وشرائح واسعة من المجتمع، ورسخ سياسات الإقصاء والتمييز بدلًا من بناء الثقة والشراكة الوطنية.

* النجف: المواجهة الكبرى

أما النجف فقد شهدت واحدة من أكثر المواجهات شهرة في تلك المرحلة.

فقد خرجت حشود كبيرة للمشاركة في الشعائر الحسينية رغم القيود الحكومية، وتطورت الأحداث إلى احتكاكات بين المشاركين والقوات الأمنية… ؛ وتروي الذاكرة الشعبية النجفية العديد من القصص والروايات المرتبطة بتلك الأحداث، والتي تحولت مع مرور الزمن إلى جزء من التراث الشفهي للمدينة.

وبغض النظر عن التفاصيل التي قد تختلف حولها الروايات، فإن الثابت تاريخياً أن النجف الاشرف كانت مركزاً أساسياً للاعتراض على سياسات الحكومة، وأن السلطة واجهت صعوبة كبيرة في فرض قراراتها على مجتمع متماسك يتمتع بمرجعية دينية واجتماعية راسخة.

* بين الحكومة الهجينة والمجتمع العراقي

تكشف هذه الأحداث عن أزمة أعمق من مجرد خلاف حول المواكب والشعائر.

فالمشكلة الحقيقية كانت في طبيعة الدولة الهجينة التي نشأت بعد عام 1921… ؛  فقد ورثت هذه الدولة الكثير من أدوات الإدارة العثمانية ومنطقها المركزي، كما ورثت نخبة هجينة وغريبة سياسية وعسكرية تشكلت في ظل الحكم العثماني.

ولذلك لم يكن الصدام بين حكومة ياسين (الهاشمي ) والجماهير الشيعية مجرد خلاف إداري، بل كان تعبيراً عن أزمة ثقة متراكمة بين السلطة المركزية وقطاعات واسعة من المجتمع العراقي.

لقد شعر كثير من أبناء الوسط والجنوب أن الدولة لا تعبر عنهم بالقدر الذي تعبر فيه عن النخب الهجينة والغريبة والعميلة الحاكمة، وأنها تتعامل مع هويتهم الدينية والثقافية بوصفها مشكلة ينبغي ضبطها لا مكوناً أساسياً من مكونات العراق… ؛ بل كان ممثلًا صادقًا للهوية العراقية العريقة، والمعبر عن امتدادها التاريخي وقيمها الوطنية الأصيلة.

إن دراسة شخصية ياسين ( الهاشمي ) لا تقتصر على البحث في أصوله العائلية أو خلفيته العثمانية، بل تتعلق بفهم مرحلة كاملة من تاريخ العراق الحديث، وهي مرحلة شهدت صراعاً بين دولة مركزية تسعى إلى فرض رؤيتها للإدارة والنظام العام، وبين مجتمع متنوع كان يسعى إلى الحفاظ على هوياته الدينية والاجتماعية والثقافية.

ولهذا بقي اسم ياسين (الهاشمي) حاضراً في الذاكرة العراقية بوصفه رمزاً طائفيا وعنصريا وهجينا لمرحلة مثيرة للجدل، يرى فيها أنصاره محاولة لبناء دولة قوية، بينما يراها منتقدوه مرحلة اتسعت فيها الفجوة بين السلطة المركزية الغريبة وشرائح واسعة من المجتمع العراقي، ولا سيما في المدن والقرى ذات الأغلبية الشيعية.

ولم تكن أزمة الشعائر الحسينية سنة 1936 مجرد حادثة عابرة، بل كشفت حدود المشروع السياسي المنكوس الذي قامت عليه الدولة العراقية في سنواتها الأولى، وأظهرت حجم الهوة بين السلطة والمجتمع… ؛  ومن هنا بقيت تلك الأحداث حاضرة في الذاكرة العراقية بوصفها واحدة من أبرز صور الصراع بين الدولة المركزية الهجينة  والنسيج الاجتماعي والديني الذي شكل هوية العراق عبر قرون طويلة.

……………………………………………………………………………..

** وفيما يتعلق بأصول ياسين (الهاشمي ) العائلية والعرقية، فلا يوجد إجماع تاريخي قاطع يؤكد صحة انتسابه إلى بني هاشم، كما أن الروايات المتداولة بشأن نسبه وأصول أسرته متباينة ومتعارضة. ومن ثم، فإن التعامل مع هذا النسب بوصفه حقيقة تاريخية محسومة يفتقر إلى السند العلمي اللازم.

وسنخصص مقالات ودراسات لاحقة لبحث هذه المسألة بالاعتماد على الوثائق والمصادر التاريخية، مع مناقشة مختلف الروايات المتعلقة بأصوله العائلية، بعيدًا عن المسلمات غير الموثقة، وصولًا إلى ما تسنده الأدلة التاريخية.