جديد

كيف يعجز المثقف الفيسبوكي عن النيل من مشروعٍ رباني؟

ضياء أبو معارج الدراجي

روى لي أحد الأصدقاء قصة لا أنساها، لأنها تختصر الفرق بين الثقافة الحقيقية والثقافة التي تُرتدى كما تُرتدى الملابس.

قال إن أخاه قرر أن يصبح مثقفًا، فأصبح يواظب على زيارة شارع المتنبي، ويشتري الكتب باستمرار، ويرتدي البيرية، ويضع النظارات، حتى صار يظن أن هذه المظاهر وحدها كافية ليحمل لقب “المثقف”.

وفي أحد الأيام خرج معنا إلى سوق الصبح في حينا، وكان الطريق ضيقًا ومزدحمًا. اعترضت طريقنا امرأة متوسطة العمر، فأراد أن يطلب منها أن تفسح الطريق، فقال لها باللغة العربية الفصحى: “تنحّي جانبًا.”

هو قصد المعنى العربي الصحيح: ابتعدي عن الطريق.

لكن المرأة فهمت العبارة بمعناها الدارج في اللهجة العراقية، إذ تحمل عند الناس معنىً بذيئًا ومهينًا، فاعتبرت ما قاله إساءةً إليها، وتحولت الحادثة إلى مشكلة عشائرية كبيرة انتهت بدفع فصل عشائري بلغ خمسة عشر مليون دينار.

الثقافة ليست استعراضًا للمفردات الفصيحة ولا مظهرًا خارجيًا، وإنما هي معرفة متى تتكلم، وكيف تتكلم، وما الذي قد يفهمه الناس من كلامك.

هذه القصة تذكرتها وأنا أتابع ما يكتبه بعض من يطلقون على أنفسهم لقب “مثقفي فيسبوك”.

فمنذ الإعلان عن تشييع السيد المستطاب في العراق، خرج علينا بعضهم بمنشورات واعتراضات وإشاعات هدفها التشويش على المناسبة وتشويهها. يكتبون بثقة كبيرة، ويظنون أن كثرة الكلمات تمنحهم صفة المثقف، وأن منشورًا على فيسبوك كفيل بتغيير قناعات الناس.

لكن ما يحدث في كل مرة هو العكس تمامًا.

فما إن ينشر أحدهم منشورًا أو يطلق إشاعة، حتى تنهال عليه آلاف التعليقات التي تدحض ما كتب، وتفند ادعاءاته، وتكشف تناقضاته، فيتحول منشوره من وسيلة للتأثير إلى سبب في إحباط مشروعه، ويجد نفسه أمام ردود شعبية واسعة تُفشل محاولات التشويه.

إن الثقافة ليست ادعاءً، وليست صورة أمام رفوف الكتب، ولا كلمات منمقة على صفحات التواصل الاجتماعي. الثقافة الحقيقية هي الصدق، واحترام عقول الناس، وتحري الحقيقة قبل نشرها، وإدراك أثر الكلمة قبل إطلاقها.

أما من يجعل الإشاعة وسيلته، والتضليل منهجه، ثم يطالب الناس بأن يصفقوا له لأنه يزعم أنه “مثقف”، فهو يشبه ذلك الرجل الذي ظن أن ارتداء البيرية وشراء الكتب يكفيان ليصبح مثقفًا، بينما أثبت أول موقف عملي أن الثقافة أعمق من المظاهر، وأن العقل والأخلاق وحسن التقدير هي المعيار الحقيقي، لا عدد الكتب ولا عدد المتابعين على فيسبوك.