نظام مير محمدي
لا يشكل الصراع الدائر داخل أجنحة نظام ولاية الفقيه مجرد أزمة سياسية بين مسؤولين يتنافسون على النفوذ، بل يعكس دخول النظام مرحلة أصبحت فيها التناقضات الداخلية عاملاً رئيسياً في تسريع مسار التغيير. فالتاريخ السياسي يؤكد أن الأنظمة السلطوية لا تضعف فقط تحت ضغط الأزمات الخارجية، وإنما تبدأ بالتفكك عندما تفقد قدرتها على إدارة صراعاتها الداخلية والحفاظ على تماسك مؤسساتها.
هذا ما تشهده إيران اليوم. فكل أزمة تواجهها البلاد تتحول إلى مادة جديدة للصراع بين أجنحة السلطة. فالمفاوضات مع الولايات المتحدة، والسياسة الإقليمية، والملف النووي، والأوضاع الاقتصادية، وحتى إدارة مرحلة ما بعد خامنئي، أصبحت جميعها ملفات يتبادل حولها المسؤولون الاتهامات، في ظل غياب مرجعية قادرة على فرض قرار موحد.
ولا يقف تأثير هذه الانقسامات عند حدود مؤسسات الحكم، بل ينعكس مباشرة على المجتمع. فبينما تنشغل مراكز القوة بالصراع على إدارة الأزمة، تتفاقم معاناة المواطنين نتيجة ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع البطالة، واستمرار انقطاع الكهرباء، وتدهور الخدمات الأساسية. وهكذا تتسع الفجوة بين سلطة غارقة في صراعاتها، وشعب يزداد اقتناعاً بأن النظام لم يعد يمتلك حلولاً لأزماته المتراكمة.
وفي المقابل، لم تتوقف الحركة الاحتجاجية داخل إيران رغم شدة القمع. فالإضرابات العمالية، واحتجاجات المتقاعدين، وتحركات المعلمين والطلاب، تعكس استمرار حالة الغضب الشعبي. كما يواصل شباب وحدات المقاومة نشاطهم في مدن مختلفة، مؤكدين أن القبضة الأمنية لم تنجح في إنهاء حالة الرفض، بل دفعت شرائح واسعة من المجتمع إلى البحث عن وسائل أكثر تنظيماً واستمراراً للمواجهة.
إن أخطر ما يواجه النظام ليس وجود هذه الأزمات كل على حدة، بل تفاعلها في وقت واحد. فالصراع بين الأجنحة يضعف قدرة الدولة على اتخاذ القرار، والأزمة الاقتصادية تزيد من الاحتقان الاجتماعي، وتصاعد الاحتجاجات يفرض مزيداً من الضغوط الأمنية، بينما يؤدي القمع والإعدامات إلى تعميق فقدان الشرعية. ومع كل دورة جديدة من هذه الأزمات، يصبح احتواء الوضع أكثر صعوبة.
ومن هنا، فإن الانقسامات داخل النظام تتحول، من حيث لا يريد أصحابها، إلى عامل يسرّع عملية التغيير. فكل جناح يسعى إلى إضعاف الآخر دفاعاً عن موقعه، لكنه يساهم في الوقت نفسه في إضعاف النظام بأكمله. ومع تراجع الثقة داخل مؤسسات الحكم، يصبح اتخاذ القرارات الاستراتيجية أكثر تعقيداً، ويزداد ارتباك السلطة في مواجهة التطورات الداخلية.
كما أن استمرار هذا الصراع يرسل رسالة واضحة إلى المجتمع مفادها أن السلطة نفسها لم تعد واثقة من مستقبلها. وهذه الرسالة تكتسب أهمية كبيرة في لحظة يعيش فيها الإيرانيون أزمات معيشية خانقة، ويتابعون في الوقت نفسه اتساع الخلافات داخل قمة هرم السلطة. فحين يفقد النظام صورة التماسك التي طالما اعتمد عليها، تتراجع هيبته، وتتسع مساحة الجرأة لدى المجتمع.
لقد أثبتت التجربة الإيرانية أن القمع وحده لا يكفي لضمان الاستقرار، كما أن تأجيل الأزمات لا يعني حلها. واليوم، ومع تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، واستمرار الاحتجاجات، واتساع نشاط وحدات المقاومة، وتعاظم الخلافات بين أجنحة الحكم، تبدو إيران أمام مرحلة جديدة تتقاطع فيها عوامل الضعف الداخلي مع تنامي إرادة التغيير داخل المجتمع. وفي مثل هذه الظروف، لا يعود الصراع داخل السلطة مجرد خلاف سياسي، بل يصبح أحد أهم العوامل التي تُسرّع التحولات الكبرى، وتدفع بالنظام نحو أزمة أكثر عمقاً، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على أن معادلة البقاء التي حكمت العقود الماضية لم تعد قادرة على إنتاج الاستقرار أو وقف مسار التغيير.