جديد

لماذا يخشى نظام ولاية الفقيه البديل أكثر من العقوبات؟

نظام مير محمدي

اعتاد كثير من المراقبين تفسير سلوك النظام الإيراني من خلال العقوبات الاقتصادية أو الضغوط العسكرية أو مسار المفاوضات. لكن التجربة الممتدة لأكثر من أربعة عقود تكشف حقيقة مختلفة؛ فهذه العوامل، على أهميتها، لم تكن في يوم من الأيام التهديد الأكبر الذي يؤرق النظام. أما ما يعتبره خطراً وجودياً بحق، فهو وجود بديل سياسي منظم قادر على تحويل حالة الرفض الشعبي إلى مشروع للتغيير.

ولهذا السبب، لم تتوقف أجهزة النظام عن توجيه القسم الأكبر من نشاطها الأمني والاستخباراتي نحو مواجهة المعارضة المنظمة، سواء داخل إيران أو خارجها. فمنذ السنوات الأولى لقيام نظام ولاية الفقيه، لم يكن الصراع مع هذا التيار مجرد خلاف سياسي، بل معركة حول مستقبل السلطة نفسها. ولذلك رافقت حملات القمع والإعدامات والمحاكمات السياسية جميع المراحل التي شهدت تصاعداً في نشاط المقاومة داخل البلاد.

وتؤكد الوقائع أن كلما اتسعت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وكلما ازدادت الخلافات داخل مؤسسات الحكم، ارتفع مستوى المواجهة مع المعارضة المنظمة. فالسلطة تدرك أن الاحتجاجات المطلبية، مهما اتسعت، تبقى قابلة للاحتواء إذا بقيت مشتتة، أما إذا وجدت قوة تمتلك رؤية سياسية وتنظيماً قادراً على الاستمرار، فإن معادلة الصراع تتغير جذرياً.

ولهذا، فإن النظام لا يكتفي باستخدام القضاء وأجهزة الأمن داخل إيران، بل يسعى أيضاً إلى ملاحقة المعارضين خارج حدوده عبر شبكات الاستخبارات والحملات الإعلامية والضغوط السياسية على بعض الحكومات. وقد كشفت تقارير أمنية أوروبية خلال السنوات الأخيرة عن استمرار أنشطة مرتبطة بالأجهزة الإيرانية تستهدف مراقبة المعارضين وتهديدهم، وهو ما يعكس حجم الأهمية التي يوليها النظام لهذه المواجهة.

وفي الداخل، تتزامن هذه السياسة مع تصاعد غير مسبوق في الإعدامات السياسية، ولا سيما بحق المتهمين بالانتماء إلى منظمة مجاهدي خلق أو التعاون مع وحدات المقاومة. ولا يمكن فهم هذا التصعيد بمعزل عن إدراك السلطة أن الأزمة لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت أزمة شرعية وأزمة مستقبل.

وتتضاعف هذه المخاوف مع اتساع الانقسامات بين أجنحة النظام. فالصراع الدائر حول المفاوضات، والعلاقة مع الغرب، وإدارة مرحلة ما بعد خامنئي، يعكس غياب رؤية موحدة لإنقاذ النظام. وفي مثل هذه الظروف، يصبح وجود معارضة منظمة عاملاً يضاعف من قلق مراكز القرار، لأن كل تصدع داخلي يفتح مساحة أوسع أمام تنامي الحراك الشعبي.

إن الأنظمة السلطوية تستطيع التعايش مع العقوبات سنوات طويلة، كما تستطيع استخدام التهديدات الخارجية لتعبئة أنصارها وتبرير سياساتها القمعية. لكنها تجد صعوبة أكبر عندما تواجه بديلاً سياسياً يمتلك القدرة على الاستمرار، ويقدم تصوراً مختلفاً لمستقبل البلاد، ويجد صدى داخل المجتمع. فالتحدي الحقيقي هنا لا يتعلق بإدارة أزمة مؤقتة، بل بإمكانية انتقال السلطة إلى نموذج سياسي آخر.

ومن هنا، فإن المعركة الأساسية في إيران لم تعد تدور حول تفاصيل اتفاق أو جولة تفاوض أو حزمة عقوبات جديدة، بل حول مستقبل النظام نفسه. فكل المؤشرات تدل على أن الأزمة البنيوية التي يعيشها نظام ولاية الفقيه تتعمق عاماً بعد عام، وأن اتساع الهوة بين السلطة والمجتمع، إلى جانب استمرار نشاط المقاومة المنظمة، يجعل من الصعب إعادة إنتاج الاستقرار الذي عرفته البلاد في العقود الماضية. ولهذا، فإن السؤال الذي يشغل دوائر الحكم اليوم ليس كيف ترفع العقوبات، بل كيف تمنع تشكل الظروف التي قد تجعل التغيير السياسي أمراً لا يمكن تجنبه.