جديد

جــرائم الشرف في العراق

أسعد صباح البديري

في العقلية العشائرية المتجذرة (خاصة في جنوب العراق، وإن كانت تمتد لمناطق أخرى)، يُنظر إلى المرأة على أنها “وعاء شرف العائلة والعشيرة”. أي خطأ ترتكبه، أو حتى يُشاع أنها ارتكبته، يعتبر تدنيساً لسمعة العشيرة بأكملها، ولا يتم “تطهير” هذه السمعة في نظرهم إلا بإراقة دمها.

الأمر الأكثر رعباً هو أن نسبة كبيرة من هؤلاء الضحايا يُقتلن بناءً على الشك أو الاشتباه فقط. مكالمة هاتفية غامضة، خروج من المنزل بدون إذن، رفض زواج إجباري (مثل النهوة العشائرية)، أو حتى جهل طبي بحالة جسدية ليلة الزفاف، تكفي لإصدار حكم الإعدام العشائري. الخوف من “الفضيحة وكلام الناس”

يتفوق على البحث عن الحقيقة، فتُقتل الفتاة بسرعة لإسكات الألسنة.

القصص التي ترافق هذا النهج لا توصف لقسوتها. القتل ليس مجرد طلقة نارية في لحظة غضب، بل هو إلغاء كامل لوجود الإنسان حتى بعد الموت:

تلال المنبوذات (أو تلال الخاطئات): العادة في جنوب العراق أن تُدفن جثامين الموتى في “مقبرة وادي السلام” في النجف. لكن ضحايا “غسل العار” يُحرمن حتى من هذا الحق. هناك تلال بعيدة ومجهولة، غير مسيجة، تُرمى فيها جثث الفتيات المقتولات، بلا غُسل، ولا صلاة، ولا شواهد قبور. تعتبر العشيرة أنهن “لا يستحققن الدفن مع أحبابهم”.

الهروب من “النهوة”: في إحدى الحوادث، رفضت فتاة الزواج من ابن عمها (عُرف عشائري يُلزم الفتاة بالزواج من قريبها)، وهربت مع شاب آخر. اعتبرت العشيرة ذلك عاراً لا يُمحى. صرح شقيقها لاحقاً أنه أمضى شهراً يبحث عنها حتى وجدها وقتلها، مبرراً ذلك بصراحة: “العشيرة قررت، وإذا لم أقتلها سأصبح منبوذاً وعاراً.. لم يكن لدي خيار، أي شيء تقرره العشيرة يجب أن أنفذه”.

في حادثة أخرى نُقلت عن سكان محليين في الجنوب، قام أب بقتل ابنتيه بالرصاص لمجرد محاولتهما الهرب من قسوة العائلة، غاسلاً بذلك ما اعتبره “عاراً”، والمجتمع المحيط يلتزم الصمت التام ويتجنب الخوض في هذه القصص لتطبيعهم مع هذا العنف.

ما يفعلونه يتناقض تماماً مع صريح الشريعة الإسلامية. القتلة يتخذون من العادات الجاهلية ديناً لهم، ويخالفون الشريعة من عدة جوانب أساسية:

تحريم القتل بالشبهة والشك: الإسلام يرفض تماماً معاقبة أي إنسان لمجرد الشك والظن. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. القتل لمجرد إشاعة هو جريمة قتل عمد تستوجب القصاص المباشر.

شروط الإثبات التعجيزية: حتى في حال وقوع الفاحشة فعلياً، اشترط الإسلام وجود أربعة شهود عدول رأوا الفعل رؤية بصرية دقيقة لا تقبل الشك (وهو أمر شبه مستحيل الحدوث). ومن يتهم امرأة في شرفها دون هؤلاء الشهود الأربعة يُجلد (حد القذف).

الشريعة تمنع الأفراد من أخذ القانون بأيديهم (تطبيق الحدود). إنزال العقوبة هو من اختصاص القضاء والدولة حصراً (ولي الأمر)، وإلا تحول المجتمع إلى فوضى.

أين القانون لحماية هؤلاء النساء من القتل؟ الإجابة تتلخص في شقين:

المادة 409 من قانون العقوبات العراقي:

القانون العراقي (رقم 111 لسنة 1969) لا يُعاقب القاتل في جرائم الشرف عقوبة رادعة، بل وفّر له غطاءً قانونياً مخففاً. المادة 409 تنص على أنه: يُعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات من فاجأ زوجته أو إحدى محارمه في حالة تلبس بالزنا، فقتلها في الحال.

هذه المادة تُستخدم كحيلة ومظلة للهروب من العقوبة المشددة للقتل العمد؛ حيث يقوم الجاني بقتل الضحية لأسباب أخرى أو لمجرد الشك، ثم يدعي أمام القضاء أنه “فاجأها بالزنا” ليحصل على حكم مخفف جداً (أحياناً بضعة أشهر فقط)، ليخرج بعدها كـ”بطل” في نظر مجتمعه. (من

الجدير بالذكر أن القانون المذكور لم يعطِ المرأة نفس العذر المخفف إذا فاجأت زوجها متلبساً بالخيانة).

في العديد من المناطق، العرف العشائري أقوى بكثير من مؤسسات الدولة. المشرّع العراقي، ورجل الأمن، هم في النهاية أبناء بيئة عشائرية ويخضعون لضغوط مجتمعية هائلة. أي محاولة برلمانية لإلغاء المادة 409 أو إقرار “قانون مناهضة العنف الأسري” تُحارب بشراسة وتُرفض سياسياً وعشائرياً بحجة “استهداف القيم والأعراف والدين”.

إن استمرار نزيف دم النساء تحت مسمى “غسل العار” هو نتيجة مزيج قاهر من الأعراف القبلية التي لا تمت للدين بصلة، وذكورية متعصبة تغذيها قوانين تمنح القاتل رخصة لإنهاء حياة امرأة لمجرد إرضاء المجتمع وحفظ ماء الوجه.