الهجرات المتأخرة وبقايا الاحتلالات وإشكالية الاندماج الوطني

رياض سعد

لقد تعرض العراق، شأنه شأن كثير من البلدان ذات الموقع الجيوسياسي الحساس، إلى موجات متلاحقة من الاحتلالات والهجرات والاستيطانات الإدارية والعسكرية والتجارية، ولا سيما خلال القرون الأخيرة من العهد العثماني، ثم في مرحلة الاحتلال البريطاني، وما تلاهما من تحولات سياسية كبرى.

وقد أسهمت هذه المراحل في انتقال جماعات وأسر وأفراد إلى العراق بدوافع مختلفة، فمنهم من جاء ضمن الجهاز الإداري والعسكري للدولة العثمانية، ومنهم من ارتبط بالمؤسسات التي أنشأها الاحتلال البريطاني، ومنهم من وفد لأسباب اقتصادية أو دينية أو قبلية أو سياسية، ثم استقر قسم منهم بصورة دائمة.

ولا يثير وجود هذه الجماعات، من حيث المبدأ، إشكالاً قانونياً؛ إذ إن المواطنة الحديثة تقوم على المساواة في الحقوق والواجبات أمام الدولة… ؛ غير أن البحث التاريخي يميز بين مفهومين مختلفين: مفهوم المواطنة القانونية، ومفهوم الأصالة التاريخية… ؛ فالمواطنة تنظم العلاقة بين الفرد والدولة، أما الأصالة التاريخية فتتعلق بالسيرورة الحضارية الطويلة التي تشكلت عبر آلاف أو مئات السنين وأسهمت في بناء الشخصية الوطنية العراقية.

ومن هذا المنطلق، فإن الخلط بين هذين المفهومين يؤدي – بحسب هذه الرؤية – إلى اضطراب في فهم الهوية الوطنية… ؛  فليس كل مواطن منحدراً بالضرورة من الجماعات العراقية التاريخية، كما أن عدم الانحدار من تلك الجماعات لا ينتقص من الحقوق القانونية التي يكفلها الدستور والدولة للمواطنين.

ويذهب البعض الى أن بعض النخب التي برزت خلال مراحل الدولة العراقية الحديثة كانت أقرب، في وعيها السياسي والثقافي، إلى الإرث الإداري أو الفكري الذي حملته معها من البيئات الاجنبية والغريبة التي جاءت منها، سواء أكان ذلك من بقايا المنظومة العثمانية، أم من النخب التي تشكلت في ظل النفوذ البريطاني، أم من بعض موجات الهجرة العربية والإقليمية المتأخرة… ؛ ونتيجة لذلك ظل الانتماء إلى العراق، لدى بعض هذه النخب الهجينة والغريبة، محكوماً أحياناً باعتبارات فوق وطنية أو إقليمية أو أيديولوجية أكثر من كونه امتداداً لوعي وطني تاريخي متجذر.

ويفسر علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا مثل هذه الظواهر بأن الجماعات المهاجرة تحتاج غالباً إلى أجيال طويلة حتى تندمج اندماجاً كاملاً في المجتمع الجديد، وأن بعض النخب قد تلجأ إلى إعادة إنتاج هوياتها الأصلية أو شبكاتها التقليدية عندما تشعر بالمنافسة أو عدم الاستقرار… ؛ وفي مثل هذه الحالات قد تتقدم الولاءات الطائفية أو العشائرية أو الإقليمية أو القومية والعرقية على الولاء الوطني، وهو أمر شهدته مجتمعات كثيرة عبر التاريخ، وليس العراق وحده.

وفي هذا السياق استخدم مصطلح “الفئة الهجينة” لا بوصفه توصيفاً بيولوجياً أو عرقياً، وإنما باعتباره مفهوماً سياسياً وثقافياً يشير إلى الفئات التي انقطعت عن أصولها الأولى، ولم تندمج اندماجاً كاملاً في الهوية العراقية التاريخية، فأصبحت تتبنى هوية مركبة ومتذبذبة، تتأرجح بين ولاءات متعددة، وتحاول أحياناً إعادة تعريف الهوية الوطنية بما ينسجم مع مصالحها أو مع سردياتها الخاصة.

ولم يقتصر الأمر على الاستقرار في العراق واكتساب جنسيته، بل تجاوزه، في بعض الحالات، إلى تبني هويات وألقاب وأنساب محلية، وتقديمها بوصفها امتدادًا أصيلًا للتاريخ العراقي، على الرغم من أن جذورها التاريخية تعود إلى بيئات أخرى…؛  ومع مرور الزمن، أصبحت هذه الهويات المستحدثة جزءًا من السردية التي تبنتها بعض الأسر أو الجماعات، حتى غدا التمييز بين الأصل التاريخي والانتماء القانوني أو الاجتماعي أكثر صعوبة، واختلطت مفاهيم المواطنة بالأصالة، والاندماج التاريخي بادعاء الامتداد الحضاري.

وبحسب هذه القراءة، فإن أزمة الدولة العراقية الحديثة لم تكن مجرد أزمة مؤسسات أو أنظمة حكم، بل كانت أيضاً أزمة هوية ونخب… ؛  إذ إن جزءاً من الصراع السياسي الذي عرفه العراق خلال القرن العشرين وما بعده يمكن فهمه بوصفه صراعاً بين مشروع يسعى إلى ترسيخ هوية وطنية عراقية تستند إلى الامتداد الحضاري الرافديني، وبين مشاريع أخرى قدمت الانتماءات الطائفية أو القومية أو الإقليمية أو الأيديولوجية على مفهوم الأمة العراقية.

ومن هنا فإن إعادة الاعتبار للتاريخ العراقي لا تستهدف إقصاء أحد أو الانتقاص من حقوق أي مواطن، وإنما تهدف إلى إعادة التمييز بين الحقيقة التاريخية والحقيقة القانونية؛ فالأولى تتعلق بجذور الأمة وتكوينها الحضاري، والثانية تنظم علاقة المواطنين بالدولة الحديثة… ؛  والخلط بين المجالين يربك فهم الهوية الوطنية، ويحول دون بناء سردية تاريخية متماسكة تستوعب الماضي وتفسر الحاضر وتؤسس للمستقبل.

نعم، أؤيِّد هذا التوجُّه الذي يطرحه البعض، والمتمثِّل بسحب الجنسية العراقية من المكوّنات والجماعات والأفراد ذوي الأصول الأجنبية والجذور غير العراقية، ولكن بشروطٍ قانونية وضوابطَ صارمة، وألا يكون ذلك قراراً اجتثاثياً عشوائياً، بل إجراءً جزائياً ردعياً يستند إلى أدلة قاطعة… ؛  وتنحصر حالات السحب في حالتين جوهريّتين:

أولاً: إذا ثبَت بشكلٍ قضائي لا يقبل الشك انخراطهم في أعمال عدائية تستهدف سيادة العراق وأمنه القومي، كالتجسس لصالح دولٍ معادية، أو تمويل الجماعات الإرهابية، أو المشاركة الفعلية في زعزعة استقرار البلاد.

ثانياً: إذا تبنّوا أفكاراً متطرِّفة منكوسة، أو مشاريعَ سياسية عنصرية تعادي التركيبة الاجتماعية للأغلبية العراقية والهوية الوطنية ، وتنقضُ وحدة النسيج الوطني وتاريخه المشترك، وتسعى إلى تفتيت هويته الحقيقية .

أمّا بالنسبة لمن اندمج منهم اندماجاً حقيقياً في الهوية الوطنية العراقية، والتزم بالدستور والقوانين، وشارك في بناء الدولة دون أن يحمل أي ولاءٍ خارجي، فلا بأس ببقائه واستمرار تمتّعه بكامل الحقوق المدنية، بل يُعَدُّ ذلك تكريساً لمعنى المواطنة المتكافئة التي هي أساس الدولة المدنية الحديثة.

لكن، يجب التأكيد على أن هذا الإجراء الاستثنائي لا يعني البتّة فتح باب التجنيس على مصراعيه، أو إضفاء الشرعية على منح الجنسية لأجانب جُدد… ؛ ذلك أن فتح هذا الباب، في ظل الأوضاع الديموغرافية والاقتصادية الراهنة، لن يصب في صالح العراق، ولا في صالح الغالبية الوطنية، ولا في صالح مستقبل الأمة العراقية قطّ، بل قد يفتح المجال أمام اختراقات خارجية، ويُحدث خللاً في التركيبة السكانية، ويُضعف مكاسب السيادة التي تحقّقت بدماء الشهداء… ؛  لذا، ينبغي أن تبقى الجنسية العراقية عصيةً على المساومة، محفوظةً لأبنائها المخلصين، ومُجرَّدةً من أيِّ استخدام سياسي أو طائفي أو قومي ضيق.