الشرفة بين وطنين
د. رياض الدليمي
منذ أن انتقلت إلى هذا البيت، أصبحت الشرفة الخلفية ملاذي اليومي.
في الصباح، وأحيانًا عندما يوشك النهار على الرحيل، أحمل فنجان قهوتي وأجلس بصمت. أسفل الشرفة تمتد غابة صغيرة، تتسلل أشعة الشمس بين أشجارها، وتنتهي عند بركة ماء اعتادت الطيور أن تجعلها محطتها الأولى كل يوم.
تأتي بهدوء…
تحط على حافة الماء، تشرب، تغتسل، ثم تمكث قليلًا، وكأنها تتبادل أسرارًا لا يسمعها سواها، قبل أن تتابع رحلتها.
أراقبها منذ سنوات.
وفي كل مرة أكتشف فيها شيئًا جديدًا.
لكن أكثر ما يشدني إليها ليس جمالها…
بل اطمئنانها.
لا تنظر خلفها بخوف.
ولا تفزع من حركة عابرة.
ولا تستعد للطيران كلما اقترب إنسان.
كأنها تعرف أن هذا المكان لن يخونها.
وفي أحد تلك الصباحات، خطرت لي فكرة لم تفارقني منذ ذلك اليوم.
غدًا ستعود هذه الطيور إلى البركة نفسها.
ستجد الماء في انتظارها.
والأغصان التي اعتادت الوقوف عليها.
ولن تجد من يخبرها أن المكان لم يعد لها، أو أن عليها أن ترحل.
ابتسمت…
ثم اختفت الابتسامة سريعًا.
وقلت في نفسي:
أما أنا… فما زلت لا أعرف إن كانت قطعة الأرض التي تحمل اسمي ستنتظرني إذا عدت إلى العراق.
وضعت فنجان القهوة على الطاولة.
لم أعد أنظر إلى الطيور…
بل إلى نفسي.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وأنا أتذكر كيف كنت أظن، في سنوات الغربة الأولى، أن الأيام ستعلمني كيف أنسى.
لكنها علمتني شيئًا آخر.
أن الوطن لا يبتعد كلما ابتعدنا عنه…
بل يقترب أكثر.
وسألت نفسي:
لماذا، كلما جلست هنا، يسافر قلبي إلى العراق؟
أنا أعيش في المهجر منذ سنوات.
لدي عملي، وحياة مستقرة، وأصدقاء، وأحلام ما زلت أسعى إليها.
كل شيء حولي يدعوني إلى أن أعيش الحاضر.
لكن القلب لا يعرف المنطق.
له طريقه الخاص.
يعبر المحيطات كل صباح، ويعود إلى الأزقة التي كبرت فيها، وإلى الوجوه التي ما زلت أحفظ ملامحها، وإلى وطن لم يغادرني، رغم أنني غادرته.
خفضت رأسي قليلًا…
ولم أكن أبحث عن الحزن.
لكنه جلس إلى جواري دون استئذان.
تلك الأرض…
اشتريتها من تعب سنوات طويلة.
ولم تكن بالنسبة إلي مجرد قطعة أرض.
كنت أراها البيت الذي سأعود إليه إذا انتهت الغربة يومًا.
وربما المكان الذي يجتمع فيه أولادي، ثم أحفادي، ليبقى لهم شيء يربطهم بالعراق.
أما اليوم…
فلا أستطيع أن أبني فيها.
ولا أن أبيعها.
ولا حتى أن ألجأ إلى القضاء لاسترداد حقي.
لقد اغتصبها أحد عناصر إحدى المليشيات المسلحة، وأصبح كل من يفكر في الدفاع عن حقي يتراجع عندما يسمع التهديدات.
عندها فهمت شيئًا لم أكن قد فهمته من قبل.
ليس أقسى ما في الغربة أن تبتعد عن وطنك…
بل أن يصبح وطنك هو البعيد عن العدالة.
رفعت رأسي مرة أخرى.
كانت الطيور ما تزال تتحرك بين الماء والأشجار في هدوء.
بعضها يغادر.
وبعضها يعود.
وكأنها تعرف أن مكانها محفوظ، وأنها مهما ابتعدت ستجد ما تركته في انتظارها.
همست لنفسي:
ما أجمل أن يعيش المخلوق مطمئنًا إلى أن مكانه لن يُغتصب في غيابه.
ثم جاءني سؤال آخر…
ومتى يشعر العراقي بهذا الاطمئنان؟
متى يخرج الأب من بيته وهو واثق أن القانون سيحمي أبناءه؟
ومتى يذهب الطالب إلى جامعته وهو لا يحمل همًّا إلا مستقبله؟
ومتى يطمئن الإنسان إلى أن بيته، وأرضه، وتعب عمره، ومستقبل أطفاله، ليست رهينة لمن يملك السلاح؟
الغربة منحتني الكثير.
علمتني.
وفتحت أمامي أبوابًا لم أكن أتخيلها.
ومنحتني حياة كريمة أمتن لها كل يوم.
لكنها لم تستطع أن تمنحني قلبًا جديدًا.
فالقلوب لا تهاجر كما تهاجر الأجساد.
تبقى حيث وُلدت أحلامها الأولى.
أنا لا أكتب هذه الكلمات لأنني أعيش في الماضي.
ولا لأنني أرفض حياتي في المهجر.
على العكس…
أنا ممتن لكل فرصة منحتني إياها هذه البلاد.
لكن الامتنان لا يمحو الانتماء.
ولا النجاح الشخصي يطفئ وجع وطن.
ما زلت أحلم بعراق تستعيد فيه الدولة هيبتها، ويعلو سلطان القانون على السلاح والفساد، وتعود الحقوق إلى أصحابها دون خوف، ويشعر الإنسان بأن كرامته مصونة لأنه مواطن، لا لأنه أقوى من غيره.
أنهيت فنجان القهوة.
وكانت الطيور قد غادرت البركة.
غدًا…
ستعود من جديد.
أما أنا…
فما زلت أنتظر اليوم الذي أعود فيه إلى وطنٍ لا أخشى فيه أن أبحث عن بيتي أو عن أرضي.
د. رياض الدليمي