جديد

عندما يتحول الوطن إلى قربان للأيديولوجيا

رياض سعد

لعلّ أخطر ما أصاب العراق خلال القرن الماضي لم يكن الاحتلالات والحروب والانقلابات وحدها، بل ذلك التحول العميق في الوعي السياسي والثقافي الذي جعل الوطن قيمةً ثانوية أمام شعارات كبرى عابرة للحدود. فمنذ عقود طويلة، تعرّض العراقي لعملية إعادة تشكيل لوعيه، قوامها إقناعه بأن انتماءه إلى العراق ليس الانتماء الأول، وأن عليه أن يقدّم وطنه قربانًا لمشروع أكبر، أو أيديولوجيا أوسع، أو هوية تتجاوز حدوده الجغرافية والتاريخية.

وهكذا، لم يعد العراق في نظر كثيرين غايةً بحد ذاته، بل أصبح وسيلةً لتحقيق غايات الآخرين. وتحولت الدولة العراقية، في نظر أصحاب المشاريع العقائدية والقومية والأممية، إلى مجرد محطة أو أداة أو ساحة صراع، لا إلى وطن مستقل له مصالحه الخاصة وهويته الوطنية التي تستحق الحماية.

لقد شهد العراق، منذ تأسيس الدولة الحديثة، موجات متلاحقة من الدعوات العابرة للحدود، وكل واحدة منها كانت تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، وتطالب العراقي بالتخلي عن ولائه الوطني لصالح ولاء أوسع وأكثر قداسة في نظر أصحابها.

فدعاة القومية العربية طالبوا العراقي بأن يذوب في “الأمة العربية”، وأن تصبح بغداد مجرد مدينة ضمن مشروع قومي يمتد من المحيط إلى الخليج، حتى لو اقتضى ذلك الدخول في حروب وصراعات لا تخدم المصلحة العراقية المباشرة.

وفي المقابل، طالبت التيارات الإسلامية العابرة للحدود العراقي بأن يرى نفسه فردًا في “الأمة الإسلامية”، وأن تتراجع الحدود الوطنية أمام فكرة الدولة الإسلامية أو الخلافة أو المشروع الديني العالمي، حتى وإن أدى ذلك إلى إضعاف الدولة الوطنية وإثارة النزاعات الداخلية.

ثم جاءت الأحزاب الشيوعية والأممية لتطالب العراقي بأن يجعل ولاءه للطبقة والثورة العالمية، وأن تكون قضايا الصراع الأممي أولى من خصوصية المجتمع العراقي وتاريخه ومصالحه الوطنية.

كما ظهرت حركات بعثية وقومية متشددة رأت أن العراق ليس سوى قاعدة لمشروع قومي أوسع، ينبغي أن توظف موارده وثرواته وشبابه في سبيل تحقيق حلم الوحدة العربية، بغض النظر عن الكلفة الإنسانية والاقتصادية والسياسية التي سيدفعها العراقيون.

وفي الضفة المقابلة، برزت مشاريع مذهبية وطائفية عابرة للحدود، جعلت الولاء المذهبي يتقدم على الولاء الوطني، وربطت مصير العراق بصراعات إقليمية وتوازنات خارجية، حتى غدا البلد ميدانًا مفتوحًا لتصفية الحسابات بين القوى المتنافسة.

ولم تتوقف المأساة عند هذه المشاريع، بل ظهرت تنظيمات متطرفة رفعت شعارات إقامة الدولة الدينية أو الخلاص العقائدي، واستباحت المدن والقرى والناس باسم تطبيق إرادة إلهية مزعومة، فكان العراق أحد أكبر ضحايا هذا التطرف الذي دمّر الإنسان والحجر معًا.

وفي مراحل مختلفة، طُلب من العراقي أن يموت من أجل “الثورة العالمية”، أو من أجل “الوحدة العربية”، أو من أجل “تحرير الأمة”، أو من أجل “الخلافة”، أو من أجل “ولاية الفقيه”، أو من أجل “المظلومية التاريخية”، أو من أجل “المقاومة”، أو من أجل “المشروع الحضاري”، أو من أجل “تحرير القدس”، أو من أجل “القضية المركزية”، أو من أجل صراعات إقليمية لا تنتهي. وفي كل مرة كانت الشعارات تتغير، لكن النتيجة بقيت واحدة: العراق هو من يدفع الثمن.

لقد تحولت البلاد، مرارًا، إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الشرق والغرب، وبين القوى الإقليمية، وبين المشاريع العقائدية المتنافسة. وأصبح العراقي يُستنزف في معارك ليست معاركه، ويُقتل في نزاعات لم يخترها، ويُطلب منه أن يحتمل الفقر والحصار والخراب باعتبارها أثمانًا ضرورية لتحقيق أهداف لا تعود بالنفع على وطنه.

إن أخطر ما في الأيديولوجيات العابرة للحدود أنها تُقنع الإنسان بأن التضحية بوطنه فضيلة، وأن إضعاف دولته واجب، وأن ازدهار العراق يمكن تأجيله إلى حين انتصار المشروع الأكبر. وهكذا تصبح المصلحة الوطنية متهمة بالأنانية، بينما يُمنح الولاء للخارج أو للفكرة المجردة صفة البطولة والإخلاص.

ولم يكن الخراب الذي أصاب العراق خلال العقود الماضية نتاج التدخلات الخارجية وحدها، بل كان أيضًا نتيجة استعداد داخلي لدى بعض النخب السياسية والفكرية والدينية لتقديم الولاءات العقائدية والقومية والمذهبية على الولاء الوطني. فحين تتعارض مصلحة العراق مع مصلحة الحزب، أو الطائفة، أو الأمة المتخيلة، أو المرجعية الفكرية، أو المركز الخارجي، كان العراق في كثير من الأحيان هو الذي يُطلب منه أن يتراجع.

إن التجربة العراقية تقدم درسًا بالغ الأهمية، مفاده أن الدولة لا تُبنى بالأحلام الإمبراطورية، ولا بالشعارات الأممية، ولا بالمشاريع العقائدية العابرة للحدود، وإنما تُبنى بمواطن يؤمن أن وطنه هو مسؤوليته الأولى، وأن ازدهاره وأمنه واستقراره مقدمة على أي مشروع آخر.

ولا يعني ذلك الانغلاق أو العداء للشعوب الأخرى، ولا رفض الانتماء العربي أو الإسلامي أو الإنساني بوصفه انتماءً ثقافيًا وحضاريًا، بل يعني وضع هذه الانتماءات في إطارها الطبيعي، بحيث تبقى الهوية الوطنية هي المرجعية السياسية العليا، وتبقى مصلحة العراق هي المعيار الذي تُقاس به المواقف والسياسات.

فالوطن ليس عدوًا للأمة، وليس نقيضًا للدين، وليس خصمًا للإنسانية. لكنه الإطار الذي يحفظ كرامة الإنسان وحقوقه وأمنه. وعندما ينهار الوطن، تتحول جميع الشعارات الكبرى إلى كلمات فارغة لا تمنع الجوع، ولا توقف الحروب، ولا تعيد المدن المدمرة، ولا تعوض الأجيال التي ضاعت.

لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار لفكرة العراق بوصفه وطنًا نهائيًا للعراقيين جميعًا، لا مجرد قاعدة لمشروع خارجي، ولا مخزنًا للثروات يُستنزف في صراعات الآخرين، ولا ساحة مفتوحة لتجارب الأيديولوجيات المتنافسة. فالعراق ليس وقفًا دينيًا، ولا إرثًا قوميًا، ولا ولايةً لمشروع إقليمي، ولا قاعدةً لثورة أممية، ولا منصةً لتصفية الحسابات الدولية.

إن العراق وطنٌ قائم بذاته، له تاريخه، ومجتمعه، وذاكرته، ومصالحه، ومستقبله. وكل فكرة، مهما بدت نبيلة أو مقدسة، إذا كانت تشترط التضحية بالعراق أو تفكيك دولته أو تمزيق وحدته أو استنزاف شعبه، فهي فكرة ينبغي مراجعتها ونقدها، لأن الأوطان لا تُبنى بالتضحيات من أجل الآخرين، بل تُبنى بالإيمان بها والعمل من أجلها.

فالأوطان ليست قرابين تُقدَّم على مذابح الأيديولوجيات، بل هي الغاية التي ينبغي أن تدور حولها السياسة، والفكر، والثقافة، وكل مشروع يسعى إلى بناء الإنسان والدولة.