جديد

مقولة ” الزمان مكان سائل، والمكان زمان متجدد ” لمحي الدين ابن عربي

رياض ابراهيم الدليمي

تُعد مقولة محيي الدين ابن عربي: “الزمانُ مكانٌ سائلٌ، والمكانُ زمانٌ متجمِّد” من العبارات الفلسفية والصوفية العميقة، وليست مقصودة على ظاهرها، بل تعبّر عن رؤية رمزية للعلاقة بين الزمان والمكان.

الزمان مكانٌ سائل: أي أن الزمان ليس شيئًا منفصلًا عن المكان، بل هو المكان في حالة حركة وتغيّر مستمر. فما نسميه “الزمان” هو تعاقب الأحداث التي تقع في المكان. فالمكان عندما يتحرك ويتبدل ويشهد تغيرًا يبدو لنا في صورة زمن.

والمكان زمانٌ متجمّد: أي أن المكان هو الزمن إذا توقف وتجسّد في صورة ثابتة. فالمكان يحمل آثار الماضي ويختزن تاريخًا كاملاً؛ فالبيت القديم، أو المدينة العتيقة، أو الجبل، كلها تمثل زمنًا متراكمًا أصبح محسوسًا ومرئيًا.

الدلالة الفلسفية

يرى ابن عربي أن الوجود وحدة مترابطة، وأن الفصل بين الزمان والمكان هو من إدراك الإنسان المحدود، بينما الحقيقة أعمق من ذلك. فالزمان والمكان ليسا حقيقتين منفصلتين، بل وجهان لحقيقة واحدة:

الزمان هو البعد الديناميكي للوجود (الحركة والتغير).

المكان هو البعد الثابت للوجود (التجسد والاستقرار).

تخيّل نهرًا:

ماء النهر الجاري يشبه الزمان؛ فهو لا يتوقف ويتغير باستمرار.

أما مجرى النهر نفسه فيشبه المكان؛ فهو الإطار الثابت الذي يحتوي ذلك الجريان.

فلا معنى لجريان الماء دون مجرى، ولا قيمة للمجرى دون ماء يجري فيه.

في التصوف عند ابن عربي، لا يُنظر إلى الزمن بوصفه مجرد ساعات وأيام، بل باعتباره تجليًا مستمرًا للوجود الإلهي؛ فالعالم يتجدد في كل لحظة، وكل آنٍ هو خلق جديد. لذلك يصبح الزمان حركةً دائمة للتجلي، بينما يكون المكان الصورة التي تستقر فيها تلك التجليات مؤقتًا.

تعني المقولة أن الزمان والمكان ليسا حقيقتين منفصلتين، بل هما متلازمان؛ فالزمان هو المكان في حالة حركة وسيولة، والمكان هو الزمن وقد اكتسب صورةً ثابتة. ومن خلال هذه الرؤية يؤكد ابن عربي وحدة الوجود وترابط أبعاده، وأن إدراك الإنسان يفصل بين ما هو في الحقيقة متصل ومتداخل.