غيث العبيدي
غيث العبيدي ـ ممثل مركز تبيين للتخطيط والدراسات الإستراتيجية في البصرة.
▪️ المقدمة :
شهدت العقيدة الإستراتيجية الأمريكية مؤخراً، تحولاً بنيوياً كبيراً في العراق وسوريا، ليتحول معه منطق الأحتلال العسكري إلى منطق ”تحالف الشركات“ بأعتبارها صيغة مستحدثة ”لإستراتيجية الهيمنة“ من خلال تفويض إدارة الدولة إلى نخبةٍ محليةٍ، مقابل عقود سياسية وإقتصادية يضمن تبعية القرار الوطني في بغداد دمشق للمركز الإمبريالي الأمريكي.
ونلاحظ إن زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، والزيارة التي سبقتها للرئيس السوري أحمد الشرع، إلى البيت الأبيض لا تندرجان في سياق دبلوماسي تقليدي، بل هما تتويج لعملية ”صناعة النخب“ وفق معايير ولاء خاصة، وبداية لأعلان تدشين مرحلةٍ جديدةٍ في إدارة النفوذ الأمريكي بالشرق الأوسط، وتقوم على خصصة السيادة ومقاولة الدولة.
▪️ أولاً: الأسس الإستراتيجية لعقيدة ترامب.
تستند مقاربة إدارة ترامب الثانية إلى ثلاث ركائز متلازمة تهدف إلى إعادة إنتاج المنطقة وفق مصالح واشنطن بالدرجة الأولى ومن أهم ركائزها..
- ركيزة البعد الإقتصادي :
تفكيك بنية الإقتصاد الريعي وإعادة ربطه بمراكز رأس المال الأمريكي. ويتجلى ذلك من خلال..
أ. إخضاع وزارات النفط والكهرباء والاتصالات لمنطق العطاءات الحصرية لصالح تحالف شركات الأمريكية والخليجية.
ب. تحويل العراق وسوريا إلى إقطاعية استثمارية مشروطة بالولاء السياسي.
ج. تجفيف الموارد المنافسة وقطع مصادر الأتصال الإقتصادي ”وخاصة في العراق“ مع طهران.
- ركيزة البعد الجيوسياسي :
ويهدف إلى تفكيك بنية محور المقاومة عبر:
أ. تحييد بغداد وتحويل العراق من شريان إمداد لدول محور المقاومة إلى حاجز جيوسياسي لها.
ب. عزل دمشق ونزع الوظيفة الإستراتيجية لسوريا كعمقٍ خلفيٍ للمحور، وإعادة تموضعها بشكل نهائي مع الحظيرة الغربية.
ج. تطويق طهران وحصارها عبر وكلاء إقليميين بعد نهاية المواجهة التي تجري حالياً معها، أو لربما من خلالها.
- ركيزة البعد الرمزي :
ويتمثل في صناعة نخب سياسية إقليمية “نماذج نجاح” دعائية للإستهلاك الداخلي الأمريكي والدولي ک «عراق مستقر و سوريا منفتحة» وهو إنتصار إعلامي يطمئن واشنطن ويرضي البيت الأبيض.
▪️ ثانياً: صناعة القادة.
تقوم عملية إنتاج النخب الجديدة على أربع مراحل متسلسلة تشكل جوهر الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة..
- مرحلة الشرعية:
وتتم إولآ بمنح الدعوة لزيارة البيت الأبيض، والتلميع الإعلامي وهذه تعتبر بمثابة “شهادة ميلاد سياسية” تمنح القائد الجديد شرعيةً خارجية تغنيه عن شرعيته الداخلية.
- مرحلة الارتهان:
وتتم هذه المرحلة عبر توقيع إتفاقيات إطارية طويلة الأمد في الطاقة والأمن والاستثمار، فترتبط تلقائيا الخدمات الحيوية للمواطن مثل الكهرباء والغاز، والبنية التحتية، بقرارات مجالس إدارات أجنبية، وهو ما يمكن تسميته بتفكيك السيادة القطاعية للدولة.
- مرحلة الحماية:
وتتمثل في توفير غطاء دبلوماسي في المحافل الدولية، وتدفقات مالية أمريكية وخليجية، وأما صمتٍ مقصودٍ مثل الأنتهاكات الأسرائيلية المتكررة في سوريا، أو أثارة بعض الملفات الداخلية الحساسة، مثل ملف الفساد ونزع سلاح المقاومة في العراق، ويتزامن معها تنفيذ الأجندة المرسومة لها.
4. مرحلة المحاسبة :
وتبقى هذه المرحلة سيفاً مسلطاً على أعناق القادة الجدد ومن صورها ”العقوبات الذكية، وقطع الأمدادات المالية، وتهديدات الأمن والشارع“ والولاء هنا ليس مطلقاً، بل هو ولاء وظيفي مؤقت ينتهي بانتهاء العائد منه.
وعليه، يتحول القائد من صانع قرار إلى مدير تنفيذي لوكالة أمريكية تابعة لمراكز القرار في واشنطن.
▪️ ثالثاً: التطبيقات الميدانية في العراق وسوريا.
في الحالة العراقية، المطلوب من بغداد ليس الحياد، بل الانخراط الوظيفي في مشروع خنق إيران، وإعادة هيكلة قطاع الطاقة لصالح الشركات الأمريكية وتوفير بيئة إستثمارية آمنة لها، وتسويق السيد علي فالح الزيدي على أنه القائد المدني الأمثل للعراق.
بينما في الحالة السورية، المطلوب من دمشق ليس الاستقلال، بل إعادة التعريف الجيوسياسي للدولة السورية، من خلال تسليم ملف الأمن في الجنوب لمعايير تل أبيب، وتفكيك البنية التحتية العسكرية المرتبطة بطهران، وتسويق الشرع كنموذج ”للإسلام السياسي المروّض“ القابل للتعايش مع المنظومة الغربية.
▪️ الخاتمة :
إنّ الوصاية التعاقدية أو تحالف الشركات، تمثل أرقى تجليات الإستعمار الجديد، لكونها تشرعن التبعية وتغلفها بخطاب الشراكة والاستثمار وسيادة القانون، وتفرغ الدولة من الداخل، وتربط مصير المواطن بميزانية شركة متعددة الجنسيات، إلى أن يسقط مفهوم ”دولة المؤسسات“ بلا شوشرة إعلامية ولا جعجعة سياسية، ويحل محله مفهوم ”دولة الشركة“ التي تدار بعقلية الربح والخسارة.
وبكيف الله.