نصيحتي إلى الإطار التنسيقي

محمود المفرجي الحسيني

ليست كل المراحل السياسية متشابهة، فهناك محطات تفرض على الجميع إعادة النظر في الحسابات التقليدية، لأن نجاحها أو فشلها لا ينعكس على شخص أو حكومة فحسب، بل يمتد أثره إلى مستقبل الدولة بأكملها.
يبدو أن رئيس الوزراء علي الزيدي شاب طموح، ورغم حداثة عهده بقيادة السلطة التنفيذية، إلا أنه استطاع أن يستفيد من أخطاء وتجارب من سبقوه في رئاسة الحكومة، وهي ميزة لا تتوفر إلا لمن يقرأ الماضي بعين المستقبل، ولا يكرر ما أثبت الزمن عدم جدواه.
وكان أكثر جرأة من كثيرين، لأنه لم يبدأ عهده بالسعي إلى إرضاء القوى السياسية على حساب تطلعات المواطنين، ولم يجعل أولويته الحصول على التصفيق أو كسب الولاءات، بل اتجه إلى القضية التي طالما اعتبرها العراقيون مفتاح الإصلاح الحقيقي، وهي مكافحة الفساد.
لقد أدرك أن العراقيين لم يعودوا ينتظرون الشعارات، بل ينتظرون إجراءات تعيد للدولة هيبتها، وللقانون مكانته، وللمواطن ثقته بمؤسسات بلده.
إن محاربة الفساد ليست مجرد حملة إدارية أو قضائية، وإنما هي مشروع لإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والمساواة، لأنها تعني حماية المال العام، وإنصاف المواطن، ومنع استغلال النفوذ، وإرساء مبدأ أن الجميع يخضع للقانون دون استثناء.
وهذه الخطوة، إذا استمرت بثبات، يمكن أن تنقل العراق من مرحلة استنزفت طاقاته لعقود إلى مرحلة جديدة تقوم على سيادة القانون واحترام المؤسسات، وهي مرحلة طال انتظارها، وتمنح العراقيين أملاً بأن الإصلاح لم يعد مجرد أمنية، بل أصبح برنامجاً قابلاً للتحقق.
ومن هنا أوجه حديثي إلى الإطار التنسيقي، واقول: سواء أحببتم الزيدي أم لم تحبوه، سواء اتفقتم معه في كل التفاصيل أم اختلفتم معه، فإن الواجب الوطني يفرض عليكم دعمه في كل خطوة تعزز هيبة الدولة وتحارب الفساد وتعيد ثقة الناس بالنظام السياسي، فالخلافات السياسية أمر طبيعي، أما تحويلها إلى سبب لإضعاف مشروع إصلاحي يخدم العراقيين جميعاً فسيكون خسارة لا تعوض.
إن نجاح أي حكومة في هذه المرحلة الحساسة ليس انتصاراً لشخص، ولا لحزب، ولا لتحالف، بل هو انتصار للعراق كله، وإذا أخفقت، فإن الجميع سيدفع الثمن، ولن ينجو أحد من تداعيات الفشل، لأن الدولة لا تتجزأ، واستقرارها مسؤولية جماعية.
إن القوى السياسية التي تمتلك الخبرة والنفوذ والتمثيل الشعبي مطالبة اليوم بأن تكون جزءاً من الحل، لا جزءاً من الصراع. فالعراقيون أنهكتهم الأزمات، ولم يعد لديهم استعداد لرؤية الصراعات الحزبية تعلو على مصالحهم اليومية، إنهم يريدون دولة قوية، واقتصاداً مستقراً، ومؤسسات تحترم القانون، وخدمات تليق بكرامتهم.
ولعل أكبر رسالة يمكن أن يقدمها الإطار التنسيقي في هذه المرحلة هي أن يثبت أن المصلحة الوطنية تتقدم على المصالح الفئوية، وأن دعم الحكومة في مشاريعها الإصلاحية لا يعني التخلي عن الدور الرقابي أو النقد البناء، بل يعني ترسيخ مفهوم الشراكة في إنقاذ الدولة.
إن العراق يمتلك من الإمكانات البشرية والاقتصادية ما يؤهله لأن يكون في مقدمة دول المنطقة، لكن ذلك لن يتحقق ما لم تتكاتف جميع القوى السياسية لإنجاح مشروع الدولة، بعيداً عن الحسابات الضيقة وردود الأفعال الآنية.
إن التاريخ لا يتذكر من انتصر في الخلافات السياسية، بقدر ما يتذكر من ساهم في بناء الدولة وإنقاذ الوطن، واليوم يقف الجميع أمام اختبار حقيقي، فإما أن يكونوا شركاء في صناعة مرحلة جديدة يتطلع إليها العراقيون، وإما أن يسمحوا للخلافات بأن تضيع فرصة قد لا تتكرر.
إن العراق يستحق أن ينتصر على أزماته، وهذه مسؤولية الجميع قبل أن تكون مسؤولية حكومة أو رئيس وزراء.