زكريا نمر
ليس من قبيل المصادفة أن الدول التي تتصدر الاقتصاد العالمي، والابتكار، والبحث العلمي، وجودة الحياة، هي نفسها الدول التي قررت منذ عقود أن تجعل المعلم أهم استثمار وطني. كما أنه ليس من قبيل المصادفة أيضا أن كثيرا من الدول العربية والإفريقية، رغم ثرواتها الطبيعية الهائلة، ما تزال تعاني التخلف، لأنها استثمرت في كل شيء إلا الإنسان، والإنسان لا يصنعه إلا تعليم جيد، ولا يصنع التعليم الجيد إلا معلم جيد.لقد اعتادت الحكومات في العالم النامي أن تقيس التنمية بعدد الطرق والجسور والمطارات والأبراج، بينما تجاهلت المؤشر الأكثر حسما في صناعة المستقبل: جودة المعلم. فالخرسانة لا تنتج المعرفة، والمباني لا تبتكر التكنولوجيا، والثروات الطبيعية لا تتحول وحدها إلى اقتصاد قوي، وإنما يحدث ذلك عندما توجد عقول قادرة على التفكير والإبداع، وهذه العقول تبدأ رحلتها من الفصل الدراسي.ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: كم مدرسة بنينا؟ بل: من الذي يقف داخل هذه المدرسة؟ لأن المدرسة التي تضم معلما ضعيفا ليست سوى مبنى جميل ينتج جيلا عاجزا. أما المدرسة التي يقف فيها معلم مؤهل ومحترم اجتماعيا وماديا، فهي مصنع للعقول، حتى لو كانت إمكاناتها المادية محدودة.
إن الخطأ الأكبر الذي ارتكبته كثير من الدول العربية والإفريقية أنها تعاملت مع التعليم باعتباره قطاعا خدميا يستهلك الميزانية، بينما تعاملت الدول الناجحة معه باعتباره استثمارا يدر أرباحا لعقود. لذلك لم تكن زيادة رواتب المعلمين أو تحسين برامج إعدادهم عملا خيريا، بل كانت سياسة اقتصادية واستراتيجية تهدف إلى بناء رأس المال البشري، وهو المورد الوحيد الذي لا ينضب.و التجربة الفنلندية تقدم أحد أهم الدروس في هذا المجال. ففي ستينيات القرن الماضي لم تكن فنلندا الدولة التي يعرفها العالم اليوم. كانت دولة صغيرة بموارد محدودة، لكنها أدركت أن المنافسة في القرن الحادي والعشرين لن تكون على عدد المصانع فقط، بل على جودة العقول. لذلك لم تبدأ بإصلاح المناهج، بل بدأت بإصلاح المعلم نفسه.
جعلت فنلندا مهنة التعليم من أكثر المهن صعوبة في الالتحاق. لا يصبح أي خريج معلما بمجرد حصوله على شهادة جامعية، بل يخضع لمعايير قبول دقيقة، وتدريب أكاديمي وبحثي متقدم، حتى أصبح الانضمام إلى كليات التربية منافسة لا تقل صعوبة عن كليات الطب أو الهندسة. ولم يكن الهدف التعقيد، وإنما ضمان أن يقف أمام الأطفال أفضل عناصر المجتمع علميا وأخلاقيا.ثم منحت الدولة المعلم ثقة واسعة داخل المدرسة. فلم تغرقه في التقارير والرقابة والبيروقراطية، بل اعتبرته خبيرا تربويا يمتلك حرية اختيار الأساليب المناسبة لتعليم طلابه. هذه الثقة صنعت معلما مبدعا، لا موظفا ينتظر التعليمات.والأهم من ذلك أن المجتمع الفنلندي نفسه تغيرت نظرته إلى المعلم. فمكانته الاجتماعية أصبحت قائمة على الكفاءة والاحترام، لا على الشعارات. ولم تعد قيمة المعلم تقاس بحجم راتبه فقط، وإنما بحجم دوره في تشكيل مستقبل المجتمع. ولهذا لم يعد التعليم في فنلندا وظيفة يلجأ إليها من لم يجد عملا آخر، بل أصبح من أكثر المهن التي يتنافس عليها المتفوقون. لا يزال كثير من دولنا يسير في الاتجاه المعاكس. فبدلا من أن تستقطب أفضل الطلاب إلى كليات التربية، أصبحت هذه الكليات في بعض البلدان الخيار الأخير لمن لم تسمح درجاتهم بدخول تخصصات أخرى. ثم نتساءل بعد ذلك عن أسباب تراجع جودة التعليم. والحقيقة أن المشكلة تبدأ قبل أن يدخل المعلم الفصل الدراسي بسنوات.
إن الأزمة ليست في المناهج وحدها، ولا في الأبنية المدرسية، ولا في نقص التكنولوجيا، بل في الفلسفة التي تدير التعليم. فحين تنظر الدولة إلى المعلم باعتباره موظفا منخفض التكلفة، فإنها تعلن عمليا أن بناء الإنسان ليس أولوية. وعندما يصبح راتب المعلم أقل من الحد الذي يضمن له حياة كريمة، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع واضحة: إن من يصنع العقول أقل قيمة ممن يدير الصفقات أو يحتكر النفوذ.ولا يمكن لأي دولة أن تطالب المعلم بإنتاج علماء ومهندسين ومبتكرين، بينما تتركه غارقا في الأزمات المعيشية، أو مضطرا إلى البحث عن أعمال إضافية تؤمن له الحد الأدنى من الحياة. فالمعلم الذي يقضي يومه منشغلا بتأمين احتياجات أسرته، لن يمتلك الطاقة الفكرية والنفسية الكافية لصناعة أجيال قادرة على المنافسة.لقد أثبت التاريخ الحديث أن نهضة الأمم تبدأ عندما يصبح الاستثمار في المعلم قرارا سياسيا لا شعارا إعلاميا. فكل تجربة تنموية كبرى، من شرق آسيا إلى شمال أوروبا، مرت أولا عبر المدرسة، وبدأت المدرسة من المعلم. أما الدول التي اختارت الطريق الأسهل، وأنفقت مليارات الدولارات على المظاهر، وتركت المعلم يواجه مصيره وحده، فقد حصلت في النهاية على مدارس بلا تعليم، وشهادات بلا معرفة، وجامعات تخرج آلاف العاطلين الذين يحملون أوراقا رسمية أكثر مما يحملون مهارات حقيقية.ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يطارد صناع القرار في العالم العربي وإفريقيا ليس: لماذا تأخرنا؟ بل: لماذا اعتبرنا الاستثمار في الإنسان أقل أهمية من الاستثمار في الحجر؟ فالأمم لا تدخل التاريخ بما تبنيه من مبان، وإنما بما تبنيه من عقول، والعقول لا يبنيها إلا معلم يدرك المجتمع والدولة أنه حجر الأساس في أي مشروع حضاري.
كانت اليابان في عام 1945 بلدا مدمرا. مدن بكاملها تحولت إلى أنقاض، والاقتصاد انهار، والمصانع دمرت، وملايين اليابانيين فقدوا مصادر رزقهم. لم يكن أمام الدولة سوى خيارين: أن تكرس كل مواردها لإعادة إعمار الحجر، أو أن تبدأ بإعادة بناء الإنسان. واختارت الطريق الأصعب، لكنه كان الطريق الذي قادها إلى النهضة.أدرك اليابانيون أن المباني يمكن إعادة تشييدها خلال سنوات، أما الإنسان إذا فقد قدرته على التفكير والانضباط والإبداع، فإن استعادته تحتاج إلى أجيال. لذلك لم يكن إصلاح التعليم برنامجا حكوميا عاديا، بل كان جزءا من مشروع وطني لإعادة صياغة المجتمع كله.لم يقتصر الاهتمام على زيادة عدد المدارس، بل انصب على نوعية التعليم، وإعداد المعلمين، وترسيخ ثقافة احترام المعرفة والعمل. أصبح المعلم رمزا لبناء اليابان الجديدة، لأن الدولة كانت تعلم أن كل فصل دراسي هو ورشة لإنتاج مستقبلها.ولم تكن المدرسة اليابانية تركز على الحفظ وحده، بل غرست قيم الانضباط، والمسؤولية، والعمل الجماعي، واحترام الوقت، والاعتماد على النفس. هذه القيم لم تكن دروسا نظرية، بل تحولت إلى ممارسة يومية داخل المدرسة، فانعكست لاحقا على المصانع، والإدارات، ومؤسسات الدولة.ونفهم أن المعلم لا يدرس الرياضيات أو اللغة أو العلوم فقط، بل يشارك في تشكيل شخصية المواطن. فحين يغرس احترام القانون، والإتقان، وروح المبادرة، فإنه يصنع اقتصادا قويا قبل أن يصنع طالبا متفوقا.
وعندما ننظر إلى واقع كثير من الدول العربية والإفريقية، نجد أن الأزمة أعمق من ضعف المناهج أو قلة المدارس. إنها أزمة في تصور الدولة لوظيفة التعليم. فما يزال التعليم في كثير من الأحيان وسيلة للحصول على شهادة، لا لبناء عقل قادر على التفكير والإنتاج.والأخطر أن النخب السياسية تتحدث كثيرا عن التنمية، لكنها نادرا ما تجعل المعلم في قلب المشروع الوطني. فالموازنات ترصد لمشروعات تحقق أثرا سياسيا سريعا، بينما يظل الاستثمار في المعلم مؤجلا، لأنه لا يمنح نتائج انتخابية أو إعلامية فورية. غير أن الدول التي تفكر بهذه الطريقة تحصد بعد سنوات مجتمعات تستهلك المعرفة ولا تنتجها.ولا تقع المسؤولية على السياسيين وحدهم، فالنخب الثقافية تتحمل نصيبا كبيرا من هذا الإخفاق. فمن المفترض أن تكون هذه النخب المدافع الأول عن المدرسة والمعلم، لكنها انشغلت في كثير من الأحيان بصراعات أيديولوجية لا تنتهي، وتركت المعركة الحقيقية: معركة بناء الإنسان.كم من المؤتمرات عقدت لمناقشة الديمقراطية والهوية والحداثة، بينما ظل السؤال الأساسي غائبا: من سيعد المواطن القادر على حماية الديمقراطية أو فهم الحداثة أو إدارة التنوع؟ إن المدرسة هي التي تصنع هذا المواطن، والمعلم هو من يمنحه أدوات التفكير. وكل مشروع فكري يتجاهل هذه الحقيقة يظل معلقا في الهواء.
وفي كثير من البلدان العربية والإفريقية، تحولت مهنة التعليم إلى خيار اضطراري لا طموح مهني. فالرواتب المتدنية، وضعف التدريب، وتراجع المكانة الاجتماعية، دفعت كثيرا من الكفاءات إلى الهجرة نحو قطاعات أخرى. وهكذا خسرت المدرسة أفضل عقولها، ثم راحت الدولة تتساءل عن أسباب تراجع جودة التعليم.إن المشكلة ليست في أن المعلمين لا يريدون الإبداع، بل في أن البيئة التي يعملون فيها كثيرا ما تحاصرهم بالبيروقراطية، وضعف الإمكانات، والضغوط الاقتصادية. وحتى أكثر المعلمين كفاءة لن يستطيع وحده تعويض غياب السياسات التعليمية الرشيدة.ولهذا فإن أي حديث عن النهضة يبدأ من إعادة الاعتبار إلى المعلم، لا باعتباره موظفا، بل باعتباره شريكا في صناعة الدولة. فالمعلم الذي يقف اليوم أمام تلاميذه، قد يكون هو من يخرج الطبيب الذي ينقذ الأرواح، والمهندس الذي يبني المدن، والعالم الذي يطور التكنولوجيا، والقاضي الذي يحمي العدالة، والسياسي الذي يقود الوطن بحكمة.إن الأمم التي احترمت المعلم لم تكن أكثر ذكاء من غيرها، لكنها كانت أكثر وعيا بقوانين التاريخ. فقد فهمت أن القوة العسكرية تحمي الحدود، وأن الاقتصاد يحسن مستوى المعيشة، لكن التعليم وحده هو الذي يضمن استمرار الحضارة وتجددها. لذلك وضعت المعلم في المكانة التي يستحقها، فجنى المجتمع كله ثمار ذلك.أما الأمم التي همشت المعلم، فقد دفعت الثمن مضاعفا. دفعت ثمن الجهل، وثمن البطالة، وثمن الفساد، وثمن ضعف الإنتاج، وثمن العنف، لأن المدرسة الضعيفة لا تنتج إلا مجتمعا ضعيفا، مهما امتلك من موارد وثروات.