مفهوم شقاق في القرآن الكريم (وان خفتم شقاق بينهما)

د. فاضل حسن شريف

عن تفسير الميسر: قوله تعالى عن شقاق “وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا” ﴿النساء 35﴾ شقاق اسم، شِقاقَ: النزاع و الخصومة. فَابْعَثُوا: فَ حرف واقع في جواب الشرط، ابْعَثُ: فعل، وا ضمير، فابعثوا: فأرسلوا، وإن علمتم يا أولياء الزوجين شقاقًا بينهما يؤدي إلى الفراق، فأرسلوا إليهما حكمًا عدلا من أهل الزوج، وحكمًا عدلا من أهل الزوجة، لينظرا ويحكما بما فيه المصلحة لهما، وبسبب رغبة الحكمين في الإصلاح، واستعمالهما الأسلوب الطيب يوفق الله بين الزوجين. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله تعالى عن شقاق “وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا” (النساء 35) “وإن خفتم” علمتم “شقاق” خلاف “بينهما” بين الزوجين والإضافة للاتساع أي شقاقا بينهما “فابعثوا” إليهما برضاهما “حكما” رجلا عدلا “من أهله” أقاربه “وحكما من أهلها” ويوكل الزوج حكمه في طلاق وقبول عوض عليه وتوكل هي حكمها في الاختلاع فيجتهدان ويأمران الظالم بالرجوع أو يُفَرِّقَان إن رأياه، قال تعالى: “إن يريدا” أي الحكمان “إصلاحا يوفِّق الله بينهما” بين الزوجين أي يقدرهما على ما هو الطاعة من إصلاح أو فراق، “إن الله كان عليما” بكل شيء “خبيرا” بالبواطن كالظواهر.

قال الله تعالى عن شقاق “فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ” ﴿البقرة 137﴾، “ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ” ﴿البقرة 176﴾، “وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا” ﴿النساء 35﴾، “لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ” ﴿الحج 53﴾، “قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ” ﴿فصلت 52﴾، “وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ” ﴿هود 89﴾، “بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ” ﴿ص 2﴾.

وعن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى عن شقاق “وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا” (النساء 35) شقاق اسم، شِقاقَ: النزاع و الخصومة. لما قدم الله الحكم عند مخالفة أحد الزوجين صاحبه، عقبه بذكر الحكم عند التباس الأمر في المخالفة فقال “وإن خفتم”: أي خشيتم، وقيل: علمتم. والأول أصح لأنه لو علم الشقاق يقينا، لما احتيج إلى الحكمين “شقاق بينهما” (النساء 35): أي مخالفة وعداوة بين الزوجين، “فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها” (النساء 35): أي وجهوا حكما من قوم الزوج، وحكما من قوم الزوجة، لينظرا فيما بينهما. وجاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى عن شقاق “وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا” ﴿النساء 35﴾ قوله تعالى: “وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا” ﴿النساء 35﴾، الشقاق البينونة والعداوة، وقد قرر الله سبحانه بعث الحكمين ليكون أبعد من الجور والتحكم، وقوله: “إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما” ﴿النساء 35﴾ أي إن يرد الزوجان نوعا من الإصلاح من غير عناد ولجاج في الاختلاف، فإن سلب الاختيار من أنفسهما وإلقاء زمام الأمر إلى الحكمين المرضيين يوجب وفاق البين. وأسند التوفيق إلى الله مع وجود السبب العادي الذي هو إرادتهما الإصلاح، والمطاوعة لما حكم به الحكمان لأنه تعالى هو السبب الحقيقي الذي يربط الأسباب بالمسببات وهو المعطي لكل ذي حق حقه، ثم تمم الكلام بقوله: “إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً”، ومناسبته ظاهرة.

وردت كلمة شقاق ومشتقاتها في القرآن الكريم: يَشَّقَّقُ شِقَاقٍ يُشَاقِقِ شَاقُّوا الشُّقَّةُ شِقَاقِي أَشَقُّ بِشِقِّ تُشَاقُّونَ وَتَنشَقُّ تَشَقَّقُ وَشِقَاقٍ وَشَاقُّوا وَانشَقَّ انشَقَّتِ يُشَاقِّ وَانشَقَّتِ شَقَقْنَا شَقًّا. وجاء في معاني القرآن الكريم: شقق الشق: الخرم الواقع في الشيء. يقال: شققته بنصفين. قال تعالى: “ثم شققنا الأرض شقا” (عبس 26)، “يوم تشقق الأرض عنهم سراعا” (ق 44)، “وانشقت السماء” (الحاقة 16)، “إذا السماء انشقت” (الانشقاق 1)، “وانشق القمر” (القمر 1)، وقيل: انشقاقه في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وقيل: هو انشقاق يعرض فيه حين تقرب القيامة (وهذا قول الحسن البصري، انظر: تفسير الماوردي 4/135)، وقيل: معناه: وضح الأمر(وذلك لأن العرب تضرب بالقمر مثلا فيما وضح أمره.