شيخ جليل الحاج مطنش الساعدي
شكلت حقبة الحكم العثماني للعراق واحدة من أطول الفترات التاريخية وأكثرها قسوة وتأثيراً على البنية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد. امتدت هذه الفترة لقرابة أربعة قرون، من 1534م إلى 1917م
383 سنة
اتسمت في أغلب مراحلها بالإهمال الإداري، والحروب المستمرة، والضرائب الباهظة، مما حول العراق من “أرض السواد” الخصبة إلى بؤرة للفقر والأوبئة وتغول الإقطاعيين.
مع اندلاع الحروب العثمانية (خاصة حرب البلقان والحرب العالمية الأولى)، كانت القوات العثمانية تقتحم القرى والمدن لسوق الشباب والرجال قسراً إلى جبهات القتال البعيدة (مثل اليمن، القوقاز، وجناق قلعة).
كان خروج الشاب يعني “الذهاب بلا عودة”. تُرملت آلاف النساء، وتيتم الأطفال، وبقيت الحقول بلا مزارعين. الأمهات كن يودعن أبناءهن بالبكاء والأهازيج الحزينة التي لا تزال محفورة في التراث العراقي، حيث مات معظم هؤلاء الشباب بسبب الجوع والبرد والأمراض أكثر من رصاص الأعداء.
لم تبنِ الدولة العثمانية سدوداً أو مستشفيات أو مدارس تذكر (باستثناء فترات قصيرة جداً كفترة الوالي مدحت باشا).
في قمة التردي والإهمال، اجتاح الطاعون بغداد متزامناً مع فيضان مدمر لنهر دجلة. هلك أكثر من ثلثي سكان المدينة. كانت الجثث تملأ الشوارع وتطفو على مياه الفيضان دون أن تتدخل السلطة العثمانية لإنقاذ الأهالي، بل استمر ولاتها في المطالبة بالضرائب.
ابتدعت الدولة العثمانية نظام “الالتزام”، حيث يقوم شخص (الملتزم) بدفع مبلغ مقطوع للدولة مسبقاً، مقابل أن يأخذ الصلاحية المطلقة لجباية الضرائب من الفلاحين. كان هؤلاء الملتزمون يستخدمون أبشع الطرق وأقساها—بما فيها الجلد والمصادرة—لعصر الفلاح العراقي وأخذ أضعاف ما دفعوه للدولة.
من أعظم الكوارث التي ورثها العراق من العهد العثماني هو تحويل المجتمع الزراعي إلى مجتمع “إقطاعي” شبه استعبادي، وذلك من خلال تطبيق مشوه للقوانين.
أراد الوالي “مدحت باشا” توطين العشائر البدوية وتنظيم ملكية الأراضي من خلال إصدار “قانون الطابو”. كان الهدف المعلن هو بيع الأراضي للفلاحين بأسعار زهيدة ليحرسوها ويزرعوها.
لكن ما حدث كان العكس تماماً؛ فقد خاف الفلاحون البسطاء من تسجيل الأراضي بأسمائهم لسببين:
الخوف من أن تستخدم أسماؤهم لتجنيدهم في “السفربرلك”.
الخوف من الضرائب الباهظة.
استغل شيوخ العشائر، والتجار، والمتنفذون في السلطة العثمانية هذا الخوف، وقاموا بتسجيل آلاف الدونمات ومقاطعات كاملة بأسمائهم الشخصية. فتحول شيخ العشيرة من “قائد اجتماعي” إلى “مالك إقطاعي”، وتحول الفلاحون وأبناء العشيرة إلى مجرد “عبيد” (أو ما عُرف بالسرگال والفلاح) يعملون في أرض كانت يوماً ملكاً لهم ولأجدادهم
كان الإقطاعي يأخذ حصة الأسد من المحصول (تصل أحياناً إلى 80%)، ولا يترك للفلاح إلا ما يبقيه على قيد الحياة ليتمكن من الزراعة في الموسم القادم.
لم يكن يحق للفلاح مغادرة أرض الإقطاعي أو العمل لدى غيره. وإذا هرب، تُرسل خلفه ميليشيات الإقطاعي (المعروفين بـ “الحوشية” أو “التبعية”) لإعادته ومعاقبته بقسوة.
تعمد الإقطاعيون إبقاء الفلاحين في حالة من الفقر المدقع والجهل المطلق. سكن الفلاحون العراقيون في أكواخ من الطين والقصب (الصرائف)، بلا أبسط مقومات النظافة أو الصحة، تفتك بهم أمراض مثل البلهارسيا والملاريا والتراخوما (العمى)، بينما كان الإقطاعيون يبنون القصور في بغداد ويرسلون أبناءهم للدراسة في الخارج
كان للإقطاعي سجن خاص، وقانون خاص، ومحاكم عرفية. كان يمتلك حق معاقبة الفلاح، وفصل النزاعات بطريقة تخدم مصالحه فقط، ووصل الأمر في بعض المناطق إلى تحكم الإقطاعي حتى في زيجات أبناء الفلاحين.
بنى العديد من الإقطاعيين الكبار سجوناً خاصة بهم (كانت تُسمى أحياناً “الكوت” أو مجرد زنازين طينية مظلمة). أي فلاح يغضب عليه السركال أو يطالب بحقه يُرمى في هذا السجن لأشهر دون محاكمة.
أقسى عقوبة كانت الطرد من الأرض. إذا تمرد فلاح، يصادر الإقطاعي كوخه وماشيته القليلة، ويطرده مع عائلته حفاة ليواجهوا الموت في العراء، ويُمنع على الفلاحين الآخرين إيواؤه.
عندما كان الجوع يصل بالفلاحين إلى حد الانفجار، كانوا يثورون، لكن رد فعل الإقطاعيين المدعومين من السلطة الحكومية آنذاك كان وحشياً.
انتفاضة آل عايد والمنتفك: وثق المؤرخون كيف استعان الإقطاعيون بقوات الحكومة (الشرطة السيّارة) بل وفي بعض الأوقات بالطائرات لقمع القرى الثائرة. كانت بيوت القصب (القمبار) تُحرق بالكامل، ويُساق الفلاحون مقيدين بالحبال وراء الخيول لإذلالهم أمام بقية القرى.
كان كبار الإقطاعيين يرفضون تماماً فتح مدارس في قراهم وأريافهم، ويعتبرون تعليم أبناء الفلاحين خطراً يهدد نفوذهم.
مقولة إقطاعية شهيرة: نقلت المذكرات الشخصية لبعض سياسيي العهد الملكي عن أحد كبار إقطاعيي العراق قوله علناً في مجلسه: “إذا تعلم الفلاح.. فمن يركب المسحاة (المجرفة)؟”؛ لذلك بقيت نسبة الأمية في ريف جنوب العراق قبل عام 1958
قانون “حق الفراش” والتحكم بالأعراض
من أبشع القصص الاجتماعية المقززة التي وثقتها شهادات الفلاحين والرسائل الجامعية التي بحثت، هي فرض بعض الإقطاعيين نفوذهم حتى على الحياة الشخصية للفلاحين.
في بعض الإقطاعيات شديدة التخلف، لم يكن يُسمح للفلاح بتزويج ابنته أو ابنه إلا بعد أخذ إذن “الشيخ الإقطاعي” ودفع ضريبة مالية تسمى “حق الرضا”. وفي حالات وثقتها أدبيات الحزب الشيوعي العراقي ونضال الفلاحين في الخمسينيات، كان بعض الإقطاعيين يفرضون بقاء العروس في قلعة الشيخ ليلة زفافها قبل أن تسلم لزوجها، وهي ممارسة لا إنسانية أدت إلى انتفاضات عشائرية دامية لغسل العار
مرّ أحدُ الإقطاعيين يوماً في زورقه المرصع بالفضة في أحد الأنهار، وكانت النساءُ كعادتهنّ يغسلن أواني البيوت على جرف النهر. لفتت انتباهه إحدى النساء وكانت فائقة الجمال، فسأل عن زوجها، فقالوا له: “إنه فلان، جاء راحلاً في العام الماضي إلى قريتنا من قرية مجاورة بسبب خلافٍ بينه وبين أبناء عمومته”.
فأرسل إليها الإقطاعي إحدى خادماته (الوصيفات)، وأبلغتها أن زوجة الإقطاعي تريد الحديث معها. وعندما جاءت المرأة إلى بيت الإقطاعي، نهض ذلك الإقطاعي ماداً يد العون المزيف، وبدموع التماسيح وتودد الثعالب أظهر رغبته في مساعدتها، طالباً منها أن تترك ذلك الرجل الفقير وتأتي ليتزوجها وتصبح سيدة القصر.
ردت المرأة بكبرياء وعزة نفس: “إن زوجي هو ابن عمي، ولا يمكن أن أتخلى عنه إلا بالموت”. وهنا غضب الإقطاعي وتركها ترحل. خافت الزوجة من حدوث الفتنة فلم تُبلغ زوجها بما حدث.
استغل الإقطاعي هذا الصمت، وأرسل ليلاً خلف الرجل، وأبلغه زوراً وبهتاناً بأن زوجته جاءت إلى القصر شاكيةً، وأخبرته بأنها لا تريد زوجها لأنه يظلمها، وتريد الطلاق منه فوراً، وهدده الإقطاعي قائلاً: “عليك أن تطلقها فوراً وإلا سُجنت”.
طلب الرجل حضور زوجته أمام الإقطاعي للمواجهة والتحقق من الأمر، ولكن الإقطاعي رفض ذلك، وقام بسجن الرجل داخل صندوقٍ خشبي، واضعاً معه عدداً من القطط الكبيرة. وكان العبيد يقلبون الصندوق بين فترة وأخرى حتى لا تهدأ القطط، وتختلط فضلاتها فوق رأس الرجل ليكون التعذيب أشد قسوة. وكانوا ينادون عليه بين الحين والآخر: “هل اقتنعت بطلاقها؟”، لكن الرجل لم يوافق وظل صامتاً.
بعد يومين هدأ الصندوق تماماً، ففتحوه فجراً ووجدوا الرجل قد فارق الحياة داخل الصندوق. حمله العبيد وألقوا بجثته في الحقول البعيدة، حتى وجده الرعاة وأبلغوا زوجته. ذهبت الزوجة تركض، فوجدته ميتاً ممزق الجلد بأنياب ومخالب القطط. فتحت ملابسه عن صدره، ووضعت رأسها عليه ولم تنهض أبداً.. ماتت هي الأخرى من شدة الحزن والقهر، مخلفةً وراءها بيت فلاحٍ فقير وطفلين يتيمين.
وبعد سنة واحدة، قُتل ذلك الإقطاعي أبشع قتلة على يد أحد رعيته، ورحل مقتولاً يحمل معه الذنب، والعار، وخزي الدنيا والآخرة
لقد ترك العثمانيون العراق في أوائل القرن العشرين وهو عبارة عن بلد منهك، سكانه يعانون من الجهل والأمراض، واقتصاده مدمر. والأخطر من ذلك أنهم تركوا قنبلة موقوتة متمثلة في “النظام الإقطاعي” الذي استمرت مظالمه وازدادت شراسة حتى في العهد الملكي، ولم تُكسر شوكة هؤلاء الإقطاعيين وتُعاد الأراضي للفلاحين إلا مع صدور “قانون الإصلاح الزراعي” بعد عام 1958م. هذه القرون الأربعة ما زالت آثارها السيكولوجية والاجتماعية تُدرس حتى اليوم كأقسى فترات المعاناة في تاريخ العراق الحديث.
من أشد القصص حزناً هي محاولات هروب الفلاحين. هرباً من سياط “الحوشية” وديون الإقطاعيين المستحيلة، بدأت في أواخر العهد العثماني واستمرت بقوة في العهد الملكي هجرات جماعية سرية ليلاً.
ترك الفلاحون أراضيهم في الجنوب والفرات الأوسط وهربوا نحو العاصمة بغداد بحثاً عن الخلاص. ولأنهم لا يملكون شيئاً، سكنوا في أطراف بغداد (في مناطق مثل الشاكرية وعاصمة العاصمة)، وبنوا صرائفهم هناك. هؤلاء الذين هربوا من جحيم الإقطاع وجدوا أنفسهم في جحيم الفقر المدقع والتهميش في المدينة، وهو ما خلق شرخاً اجتماعياً هائلاً في العراق الحديث.
لقد كانت تلك الحقبة وصمة عار في تاريخ العدالة الاجتماعية، حيث تم تجريد الإنسان العراقي، الذي كان يُعرف عبر التاريخ بأنه من أوائل من زرعوا الأرض وسنوا القوانين، من أبسط حقوقه ليتحول إلى غريب وجائع في أرضه.
#من صفحة الصديق
شيخ جليل الحاج مطنش