مفردة الخطاب (ربّ السموات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا)

د. فاضل حسن شريف

عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله عز وجل “رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا” (النبأ 37) “رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن” (النبأ 37) مر ذكره والمعنى أن الذي يفعل بالمؤمنين ما تقدم ذكره هورب السماوات والأرض ومدبرهما ومدبر ما بينهما والمتصرف فيهما على ما يشاء الرحمن المنعم على خلقه مؤمنهم وكافرهم. “لا يملكون منه خطابا” (النبأ 37) أي لا يملكون أن يسألوه إلا فيما أذن لهم فيه كقوله ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وقوله لا تكلم نفس إلا بإذنه والخطاب توجيه الكلام إلى مدرك له بصيغة منبئة عن المراد على طريقة أنت وربك قال مقاتل لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا بإذنه. وجاء في التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله عز وجل “رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا” (النبأ 37) ضمير لا يملكون يعود إلى الخلائق الذين يومئ إليهم ذكر السماوات والأرض لأن اللَّه ربهما ورب من فيهما، والمعنى ان تلك الحدائق وغيرها مما أنعم اللَّه بها على المتقين، هي من الرحمن الرحيم ومالك الملك الذي لا أحد يملك ان يخاطبه يوم القيامة في شأن الثواب والعقاب، فهو وحده يتصرف.

وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله عز وجل “رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا” (النبأ 37) بيان لقوله: “ربك” أريد به أن ربوبيته تعالى عامة لكل شيء وأن الرب الذي يتخذه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ربا ويدعو إليه رب كل شيء لا كما كان يقول المشركون: إن لكل طائفة من الموجودات ربا والله سبحانه رب الأرباب أو كما كان يقول بعضهم: أنه رب السماء. وفي توصيف الرب بالرحمن صيغة مبالغة من الرحمة إشارة إلى سعة رحمته وأنها سمة ربوبية لا يحرم منها شيء إلا أن يمتنع منها شيء بنفسه لقصوره وسوء اختياره فمن شقوة هؤلاء الطاغين أنهم حرموها على أنفسهم بالخروج عن طور العبودية. وقوع صدر الآية في سياق قوله: “رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن” – وشأن الربوبية هو التدبير وشأن الرحمانية بسط الرحمة – دليل على أن المراد بخطابه تعالى تكليمه في بعض ما فعل من الفعل بنحو السؤال عن السبب الداعي إلى الفعل كان يقال: لم فعلت هذا؟ ولم لم تفعل كذا؟ كما يسأل الفاعل منا عن فعله فتكون الجملة “لا يملكون منه خطابا” في معنى قوله تعالى: “لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ” (الأنبياء 23) وقد تقدم الكلام في معنى الآية. لكن وقوع قوله: “يوم يقوم الروح والملائكة صفا” بعد قوله: “لا يملكون منه خطابا” (النبأ 37) الظاهر في اختصاص عدم الملك بيوم الفصل مضافا إلى وقوعه في سياق تفصيل جزاء الطاغين والمتقين منه تعالى يوم الفصل يعطي أن يكون المراد به أنهم لا يملكون أن يخاطبوه فيما يقضي ويفعل بهم باعتراض عليه أو شفاعة فيهم لكن الملائكة – وهم ممن لا يملكون منه خطابا – منزهون عن وصمة الاعتراض عليه تعالى وقد قال فيهم: “عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون” (الأنبياء 27) وكذلك الروح الذي هو كلمته وقوله، وقوله حق، وهو تعالى الحق المبين والحق لا يعارض الحق ولا يناقضه. ومن هنا يظهر أن المراد بالخطاب الذي لا يملكونه هو الشفاعة وما يجري مجراها من وسائل التخلص من الشر كالعدل والبيع والخلة والدعاء والسؤال قال تعالى: “مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ” (البقرة 254)، وقال: “وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ” (البقرة 123)، وقال: “يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ” (هود 105). وبالجملة قوله: “لا يملكون منه خطابا” (النبأ 37) ضمير الفاعل في “لا يملكون” لجميع المجموعين ليوم الفصل من الملائكة والروح والإنس والجن كما هو المناسب للسياق الحاكي عن ظهور العظمة والكبرياء دون خصوص الملائكة والروح لعدم سبق الذكر ودون خصوص الطاغين كما قيل لكثرة الفصل، والمراد بالخطاب الشفاعة وما يجري مجراها كما تقدم.

وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز وجل “رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا” (النبأ 37) وفي آخر آية من الآيات المبحوثة، يضيف: “ربّ السموات والأرض وما بينهما الرحمن” (النبأ 37). نَعم: إنّه مالك العالم، ومدبّر ما فيه، وموجه كلّ حركاته وسكناته، إنّه الرحمن الذي شملت رحمته كلّ شيء، وهو واهب الصالحين ما وعدهم به القرآن الكريم. وبما أنّ صفة (الرحمن) تشمل رحمة اللّه العامّة لكلّ خلقه، فيمكن حمل إشارة الآية إلى أنّ اللّه تبارك وتعالى يشمل برحمته أهل السماوات والأرض في الحياة الدنيا، إضافة لما وعد به المؤمنين من عطاء دائم في الجنّة. وذيل الآية، يقول: “لا يملكون منه خطاباً” (النبأ 37). ويمكن شمول (لا يملكون) جميع أهل السماوات والأرض، أو جميع المتقين والعاصين الذين يجمعون في عرصة المحشر للحساب والجزاء. وعلى أيّ القولين فالآية تشير إلى عدم القدرة على الإعتراض أو الردّ من قبل كلّ المخلوقات أمام محكمة العدل الإلهي، لأنّ حسابه جلّ اسمه من الدقّة والعدل واللطف ما لا يفسح المجال أمام أي اعتراض. بل ولا يسمح في ذلك اليوم بالتشفع لأيٍّ كان إلاّ بإذن خاص منه جلّت عظمته، وهوما تشير إليه الآية (255) من سورة البقرة: “مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ” (البقرة 255).

جاء في اعراب القرآن الكريم: قوله عز وجل “رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا” (النبأ 37) رَبِّ بَدَلٌ مِنْ (رَبِّكَ): مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ. السَّمَاوَاتِ مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ. وَالْأَرْضِ “الْوَاوُ” حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْأَرْضِ): مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ. وَمَا “الْوَاوُ” حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مَا): اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مَعْطُوفٌ. بَيْنَهُمَا ظَرْفُ مَكَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ، وَ”هَاءُ الْغَائِبِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ. الرَّحْمَنِ نَعْتٌ لِـ(رَبِّ): مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ. لَا حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. يَمْلِكُونَ فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ”وَاوُ الْجَمَاعَةِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ حَالٌ. مِنْهُ (مِنْ): حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ”هَاءُ الْغَائِبِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ. خِطَابًا مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.