
أسطورة الطنطل في العراق
يُعد الطنطل من أشهر الشخصيات الخرافية الضاربة في جذور التراث الشعبي العراقي، وتحديداً في مناطق جنوب العراق والأهوار. يُصنف الطنطل ككائن أسطوري مرعب يمتلك قدرات خارقة، استخدمه الناس قديماً لتفسير الظواهر الغامضة ولإخافة الأطفال بغرض حمايتهم.
يربط الكثير من الباحثين أسطورة الطنطل بجذور سومرية وبابلية قديمة تتعلق بقصص الطوفان وغضب الآلهة. تقول الأسطورة القديمة إنه في جنوب وادي الرافدين،
تواجدت مملكتان عظيمتان تعودان لأخوين هما “العكر” و”أبو شذر”، ومعهما أخوهم “احفيظ”. ازدهرت الحياة في هذه الممالك وبنوا المعابد وزرعوا البساتين حتى أصبحت كالجَنّة، ولكن لسوء صنيعهم وتجبرهم، غضبت عليهم الآلهة فقلبت مدنهم بزلزال وأغرقتها بطوفان عظيم.
تحولت تلك المدن المزدهرة إلى ركام أثري وتلال تُعرف محلياً اليوم باسم “الأشن”، وتقول الأسطورة إن قوى خفية أرسلت الجن و”الطناطل” لتحرس هذه الأشن وما تخفيه من كنوز غامضة وذهبية، ومن هنا ارتبطت أسماء الطناطل بأسماء هذه التلال المائية.
وصف الخيال الشعبي العراقي الطنطل بصفات متناقضة ومرعبة تعكس حالة الخوف من المجهول،
الطنطل كائن “هيولى”، أي ليس له شكل ثابت. يمكنه أن يتلبس هيئة إنسان، حيوان (مثل كلب أو قطة سوداء)، أو حتى جماد.
يوصف أحياناً بأنه عملاق طويل جداً رأسه يناطح السماء وقدماه على الأرض، ويوصف في أحيان أخرى بأنه قزم دميم وقبيح الشكل يأتـي ليلاً ليجلس على صدر النائم ويخنقه (وهو ما يُعرف علمياً بشلل النوم أو الجاثوم).
رغم قوته، تروي الأساطير أن الطنطل يرتعب من الأشياء المعدنية مثل “الإبرة والمخيط” والحديد عموماً، ويختفي فور إشهارها في وجهه. كما أنه يكره الملح، وتُشير بعض القصص إلى أن بعض الطناطل الأليفة كانت تصادق الفلاحين مقابل حصولها على “خبز غير مملح”.
اتخذت الطناطل في العراق أسماءً مستمدة من البيئة التي تعيش فيها، خصوصاً في الأهوار والممرات المائية (الكواهين). من أشهرها: طنطل احفيظ (وهو المسيطر على بقية الطناطل ويحرس كنزاً عظيماً)، طنطل أبو غريب، طنطل أم العبيد، وطنطل أبو اسميچ.
أصبح الطنطل أداة اجتماعية فعّالة في يد الأمهات والآباء. فعندما يرفض الطفل النوم أو يحاول الخروج ليلاً، كان التهديد الأبرز هو: “نام أجاك الطنطل” (نم، لقد جاءك الطنطل). كما دخل الطنطل في صلب الشعر والأهازيج والأمثال الشعبية، فصار يُضرب به المثل في الشجاعة أو في القبح، فيُقال للشخص ذي المنظر المخيف: “چنك طنطل” (تبدو كالطنطل).
يمتلئ الريف العراقي بقصص يرويها كبار السن على أنها تجارب حقيقية،
تروي إحدى الحكايات الشعبية أن عجوزاً كانت تجمع الحطب ليلاً فوجدت “كبة من الصوف” ناصعة البياض. التقطتها ووضعتها في ثيابها، وبعد فترة بدأت تشعر بوخز كالإبر، ولما أخرجتها تفاجأت بأن كبة الصوف تحولت إلى رأس رجل عجوز مخيف يتحدث بكلمات غير مفهومة، مما أصابها بالجنون.
يروي صيادو الطيور والأسماك في الأهوار أنهم كانوا يواجهون ليلاً كائنات غريبة تبدل أشكالها فجأة وتسرق صيدهم أو تثير الرعب في قلوبهم لمنعهم من دخول مناطق معينة (وهي الأشن المحرمة).
من منظور علمي وموضوعي، الطنطل هو كائن خرافي لا وجود له في الواقع، ويمكن تفسير ظهوره وانتشاره في الثقافة الشعبية لعدة أسباب منطقية:
الضبط الاجتماعي وحماية الأطفال: طبيعة جنوب العراق، وخاصة الأهوار والمناطق الزراعية، مليئة بالمخاطر الليلية مثل الغرق في المستنقعات، والحيوانات المفترسة (كالخنازير البرية والذئاب)، واللصوص. لذا، كان اختراع وحش مرعب في الظلام الوسيلة الأنجح لمنع الأطفال وحتى الكبار من التسكع ليلاً.
ظاهرة الباريدوليا في ظلام الليل الدامس وسط غابات القصب والبردي المتشابكة، يميل العقل البشري المجهد والخائف إلى تفسير الظلال وحركة الرياح وأصوات الحيوانات الليلية على أنها كائنات حية ووجوه مرعبة، فيرى الصياد قصبة تهتز فيظنها ذراعاً طويلة لطنطل.
التفسير الشعبي لجلوس الطنطل القزم على صدر النائم هو وصف دقيق جداً للحالة الطبية المعروفة بـ “شلل النوم”، حيث يستيقظ العقل قبل الجسد، ويشعر الإنسان بوزن ثقيل على صدره مع هلوسات بصرية مرعبة.
يُلاحظ بوضوح أنه بعد تجفيف الأهوار في التسعينيات، وتطور المجتمع، ودخول الكهرباء والتكنولوجيا إلى تلك المناطق، تلاشت رؤية “الطناطل” بشكل شبه كامل، مما يؤكد ارتباطها بالظلام والمجهول وضعف الوعي العلمي آنذاك.
الطنطل ليس مجرد وحش وهمي، بل هو انعكاس لخيال عراقي خصب استطاع أن يخلق أسطورة بقيت حية لمئات السنين لفرض النظام، وتفسير المجهول، وإثراء التراث القصصي والشعبي.
#أسعد_صباح




