تنحدر ماريا تيريزا أسمر من عائلة ثرية مسيحية (الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية). اللقب في أوروبا الأميرة البابلية
وذات مكانة اجتماعية واقتصادية مرموقة في بغداد. كانت والدتها حاملاً بها في بغداد، لكن بسبب انتشار وباء الطاعون والظروف القاسية التي اجتاحت المدينة، اضطرت العائلة للرحيل، لتولد ماريا عام 1804 في خيمة بين أطلال نينوى قرب مدينة تلكيف في شمال العراق.
تشير ماريا في مذكراتها إلى أن أصول عائلتها الأبعد تعود إلى طائفة “البراهمة” في الهند الذين اعتنقوا المسيحية على يد القديس توما (كنيسة ترافانكور)، ثم هاجروا لاحقاً إلى بلاد فارس، ليستقروا أخيراً في بغداد. نشأت في عائلة كبيرة مكونة من 18 أخاً وأختاً (توفي 9 منهم لاحقاً)، وكان والدها رجلاً منفتحاً محباً لمساعدة الآخرين من مختلف الطوائف والأديان، سواء كانوا مسلمين أو يهوداً أو مسيحيين. 
لم تكن حياة ماريا تيريزا تقليدية أبداً؛ بل كانت مليئة بالترحال والمصاعب والإنجازات المبكرة:
واجهت ماريا عقبات هائلة في مجتمع تصل فيه نسبة الأمية بين النساء والرجال إلى أكثر من 95% تحت حكم المماليك والعثمانيين. قامت بتأسيس مدرسة لتعليم النساء في بغداد، واستقبلت مبشرين مسيحيين غربيين للعمل معها، إلا أنهم قاموا بخيانتها ودفعوا رشى للحكومة العثمانية لسحب الرخصة منها ومنعها من إكمال مشروعها.
بعد إحباطها من إغلاق مدرستها وفقدان الكثير من أفراد عائلتها، لجأت ماريا إلى القبائل البدوية العربية. عاشت بينهم ووثقت تفاصيل حياتهم اليومية، عاداتهم، حفلات زفافهم، وحتى غزواتهم القبلية.
سافرت إلى عدة مناطق، منها تركيا، وسوريا، وفلسطين، ولبنان. في الموصل، زارت شقيقة الباشا العثماني الحاكم، ووثقت في مذكراتها نظام “الحريم” السائد آنذاك، واصفة النساء الكرديات والشركسيات والجورجيات والظلم الذي كنّ يتعرضن له. وفي لبنان، استقرت لفترة كمرافقة لأميرة لبنانية في “قصر بيت الدين” تحت حماية حاكم لبنان الأمير بشير الشهابي.
انتقلت ماريا إلى أوروبا، وعاشت هناك لمدة 12 عاماً، لكنها واجهت الفقر المدقع وتعرضت للسرقة مراراً، خاصة بعد أن فقد حليفها الأمير اللبناني عرشه وثروته، لتجد نفسها وحيدة وبلا معين مالي.
يُعد كتابها الوثيقة الأهم التي خلدت اسمها كأول امرأة عراقية ومن العالم العربي تنشر مذكراتها وتؤرخ تاريخ بلدها وأنظمتها الاجتماعية.
النسخة الإنجليزية الأصلية التي صدرت في شهر مايو عام 1844م في العاصمة البريطانية لندن (عن دار النشر ضخمة جداً وتتكون من جزأين وبواقع حوالي 720 صفحة.
اختارت اسم “أميرة بابلية” اعتزازاً بأصولها الكلدانية وحضارة بلادها العريقة. قدمت في الكتاب نقلاً حياً للظروف السياسية، والتعصب القبلي، والحياة الاجتماعية للمجتمعات الحضرية والريفية، بالإضافة إلى النظرة العميقة والمنصفة لحقوق وأوضاع النساء في ظل الاحتلال العثماني.
ظلت هذه المذكرات طي النسيان والتهميش لفترة طويلة جداً، حتى قامت الباحثة والمترجمة العراقية الدكتورة أمل بورتر بإخراجها للنور مجدداً، حيث تولت ترجمة فصول وأجزاء منها إلى اللغة العربية، ونُشرت عام 2009 لتعريف الأجيال الجديدة بهذه الشخصية الفذة.
توفيت ماريا تيريزا أسمر في فرنسا قبل نشوب الحرب الفرنسية البروسية (قبل عام 1870 تقريباً). يتمثل إرثها في كونها صوتاً نسائياً استثنائياً كسر قيود التخلف في القرن التاسع عشر. لقد وظفت إتقانها الاستثنائي للغات أتقنت 9 لغات (العربية، السريانية، الإنجليزية، اللاتينية، العبرية، التركية، الكردية، الفرنسية، الإيطالية).
واحتكاكها بثقافات الشرق والغرب لتترك لنا وللعالم وثيقة تاريخية ثمينة تسلط الضوء على تاريخ العراق والشرق الأوسط من منظور امرأة قوية ومثقفة تحدت ظروف زمانها.
#أسعد_صباح