
السعلوة
واحدة من أشهر وأعقد الشخصيات الميثولوجية في التراث الشعبي العراقي.
“السعلوة” في المخيال الشعبي العراقي؛ ليست حيواناً عادياً، بل كائن خرافي شيطاني أقرب إلى “الغول الأنثى”، ارتبطت بالخوف، والليل، والأنهار، وبساتين النخيل الموحشة في العراق.
لم تأتِ السعلوة من فراغ، بل هي امتداد لآلاف السنين من الأساطير المتراكمة في بلاد الرافدين والجزيرة العربية
الأصل الرافديني (ليليث): يرى العديد من الباحثين أن الجذور الأولى للسعلوة تعود إلى شخصية “ليليث” في ملحمة جلجامش والأساطير البابلية والآشورية. وليليث (أو ليلتو) تعني “أنثى العفريت” أو “شيطانة الليل”، وكانت توصف بأنها جنية تسكن الأماكن المهجورة والخراب، تغوي الرجال وتقتلهم، وتسرق الأطفال.
التراث العربي القديم: ذُكرت “السعلاة” في الموروث العربي قبل الإسلام بوصفها “أنثى الغيلان”. وقد أشار إليها المؤرخ أبو الحسن المسعودي في كتابه “أخبار الزمان”، وذكر قدرتها على التشكل في صور نساء حسان للإيقاع بالرجال في الصحاري، كما ورد ذكرها في أشعار العرب كرمز للمكر والافتراس.
بين القبح والإغواء
تتسم السعلوة في الحكايات العراقية بتناقض عجيب؛ فهي إما وحش كاسر قبيح، أو امرأة في غاية الفتنة والجمال:
توصف عادة بأنها كائن ضخم يُغطي جسده شعر كثيف مليء بالقمل. لها أثـ ـداء متدلية جداً لدرجة أنها ترميها خلف ظهرها لتُرضع أطفالها. تمتلك عيوناً مختلفة (إحداها حمراء والأخرى صفراء)، وأسنانها طويلة. وفي بعض الحكايات (خاصة الموصلية والجنوبية) تُمتلك أطرافاً حيوانية؛ كأن تكون لها رجل حمار ورجل إنسان، أو حوافر ومخالب.
تمتلك السعلوة قدرة خارقة على التحول
إلى امرأة فائقة الجمال. تستخدم هذا الشكل للوقوف على ضفاف الأنهار أو في الطرقات المظلمة لإغواء الرجال والمسافرين، وبمجرد أن ينعزلوا بها، تعود لشكلها الحقيقي وتفترسهم
السعلوة في جغرافية العراق وحكاياته
ارتبطت السعلوة ارتباطاً وثيقاً ببيئة العراق، فموطنها المفضل هو ضفاف نهري دجلة والفرات، والأهوار العميقة في الجنوب، والبساتين الكثيفة، والخرائب. ولعل أشهر الحكايات التي يتداولها العراقيون عنها:
حكاية “السعلوة الزوجة”
تتحدث إحدى أشهر الأساطير عن رجل التقى بامرأة جميلة فتزوجها وأنجب منها أطفالاً دون أن يعرف حقيقتها. وفي إحدى الليالي، صعدا إلى السطح، فشاهدت من بعيد نيراناً تشتعل في المقبرة (الجبانة)، فاضطربت وتغير لونها، وقالت لزوجها: “ألم ترَ نيران السعالي؟ أوصيك بأبنائك خيراً”. ثم طارت أو قفزت نحو النيران ولم تعد إليه أبداً.
حكاية “فرج الأقرع” في بغداد
من أشهر الحكايات البغدادية (وتحديداً في منطقة الكرادة الشرقية قديماً)، حكاية رجل يُدعى “حسين عمرة” كان يمتلك فرساً أصيلة يجدها كل صباح منهكة. عندما وضع مادة القير (القطران) على السرج، التصق به كائن مسخ يُدعى “فرج الأقرع” (وهو السعلو أو زوج السعلوة).
في الليل، جاءت السعلوة تطرق الأبواب مهددة بإغراق أطفاله في نهر دجلة إن لم يُطلق سراح زوجها. بذكاء، قام الرجل بالارتماء في أحضانها ورضع من ثديها لتصبح “أمه” بالرضاعة الخرافية. كمكافأة له على إطلاق سراح زوجها، منحته السعلوة قدرة خارقة على شفاء آلام الظهر، وبقي البغداديون يقصدونه للعلاج لفترة طويلة.
التفسير السايكولوجي والاجتماعي للأسطورة
لماذا ابتكر العقل العراقي هذه الشخصية وحافظ عليها لقرون؟
الضبط الاجتماعي وحماية الأطفال
استُخدمت السعلوة كـ “فزاعة” من قِبل الأمهات والجدات لتخويف الأطفال ومنعهم من الخروج ليلاً أو الاقتراب من الأنهار السريعة (دجلة والفرات) خوفاً من الغرق
تبرير المجهول
في الأزمنة القديمة، كان اختفاء الأشخاص في الصحاري أو غرقهم في الأهوار والأنهار دون العثور على جثثهم يُعزى فوراً إلى اختطاف “السعلوة”، مما يُقدم تفسيراً مريحاً (وإن كان مرعباً) لعجز المجتمع عن فهم أسباب الفقد.
الخوف من الأنوثة المتمردة
يرى بعض دارسي الفلكلور أن السعلوة تُمثل إسقاطاً ذكورياً للخوف من المرأة المستقلة أو القوية التي تتمرد على القيود الاجتماعية، فتُشيطن في التراث وتُصور كـ “آكلة للرجال”.
السعلوة ليست مجرد قصة رعب تُروى قبل النوم، بل هي أرشيف نفسي واجتماعي يحمل بين طياته مخاوف الإنسان العراقي القديم من قوى الطبيعة المجهولة، وامتداد لأسطورة حية تضرب بجذورها في أعماق بابل القديمة.
#أسعد_صباح




