عالم الآثار خالد الأسعد: حارس التاريخ وشهيد تدمر
وُلد خالد الأسعد في الأول من يناير عام 1934، وعاش حياة ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بمدينة تدمر الأثرية (لؤلؤة الصحراء). أكاديمياً وتاريخياً، يُعد الأسعد أحد الآباء المؤسسين لعلم الآثار في سوريا.
شغل منصب مدير آثار ومتاحف تدمر لمدة أربعين عاماً، وتحديداً بين عامي 1963 و2003. خلال هذه الفترة الطويلة، لم يكن الأسعد مجرد موظف أو مدير، بل كان المرجع الأول لكل ما يتعلق بتاريخ المدينة.
أشرف على اكتشاف القسم الأكبر من “الشارع الطويل”، وساحة “المصلبة” (التترابيل)، والعديد من المدافن والمقابر.
في عام 1988، عثر على منحوتة “حسناء تدمر” الشهيرة، وشارك في إعادة بناء أكثر من 400 عمود من أروقة الشارع الطويل ومعبد بعلشمين.
إلى جانب اللغات الأجنبية، أتقن الأسعد اللغة الآرامية (لغة سوريا القديمة)، مما مكّنه من فك رموز النقوش التدمرية وترجمتها.
نال أوسمة استحقاق من سوريا، وفرنسا، وبولندا، وتونس تقديراً لجهوده في حفظ التراث الإنساني.
في شهر مايو من عام 2015، بدأ تنظـ ـيم الدولة الإسلامية (داعـ ـش) زحفه نحو مدينة تدمر. في تلك اللحظات الحرجة، كان الخطر يحدق بآلاف القطع الأثرية التي لا تقدر بثمن.
رغم تقدمه في السن (كان يبلغ من العمر حينها 81 عاماً)، رفض الأسعد مغادرة المدينة التي أفنى عمره فيها. وبدلاً من الهرب، قاد مع أبنائه وبعض الحراس عملية فدائية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
نجح الأسعد وفريقه في إخلاء ونقل أكثر من 400 تمثال وقطعة أثرية ثمينة من متحف تدمر، وقاموا بتخبئتها في أماكن سرية آمنة بعيداً عن أيدي التنظـ ـيم المتطـ ـرف قبل سقوط المدينة.
بعد سيطرة داعـ ـش على تدمر، انتقل الأسعد إلى مكان يبعد مئات الكيلومترات ولجأ إلى قصر الحير الشرقي، إلا أن عناصر التنظـ ـيم لحقوا به في 20 يوليو 2015 واختطفوه.
أدرك التنظـ ـيم الإرهـ ـابي قيمة الرجل الذي وقع في أيديهم؛ فهو “عراب تدمر” والشخص الوحيد الذي يمتلك خريطة الكنوز المخفية. طوال شهر كامل من الاعتقال، تعرض خالد الأسعد لأبشع أنواع التعذيب والاستجواب.
كان الهدف الأساسي لداعـ ـش هو إجباره على البوح بأماكن تواجُد القطع الأثرية والذهب والكنوز التي قام بتهريبها وإخفائها قبل دخولهم. ورغم قسوة الجلادين، صمد الأسعد كأعمدة تدمر التي رممها بيده، واختار تحمل الألم والموت على أن يسلم إرث أجداده وتراث الإنسانية للمتطـ ـرفين لكي يدمروه أو يبيعوه لتمويل إرهـ ـابهم.
عندما يئس التنظـ ـيم من كسر إرادته أو الحصول على أي معلومة منه، أصدرت “محكمتهم” حكماً بإعدامه. وُجهت له تهم واهية، منها “تمثيل النظام السوري في المؤتمرات الخارجية”، و”إدارة الأصنام” (في إشارة إلى كونه مديراً للمتحف).
في 18 أغسطس 2015، اقتاد عناصر داعـ ـش العالم الجليل حافي القدمين ومكبلاً إلى وسط مدينة تدمر وقبل تنفيذ الحكم، طُلب منه أن يجثو على ركبتيه، لكنه رفض بشموخ قائلاً جملته التي خلدها التاريخ:
لا أموت إلا واقفاً مثل أعمدة تدمر ونخيل تدمر.. نخلات تدمر لا تنحني
قاموا بقطع رأسه بوحشية، ثم علقوا جثته الطاهرة على عمود كهربائي في أحد شوارع المدينة، ووضعوا لوحة تضمنت التهم الموجهة إليه
تُركت جثته معلقة لثلاثة أيام، قبل أن يقوم اثنان من أصدقائه بمراقبة المكان وأخذ الجسد لدفنه بطريقة لائقة بعد أن رماه التنظـ ـيم في مكب للنفايات.
إعدام خالد الأسعد لم تكن مجرد جريمة قتل فحسب ، بل كان محاولة لاغتيال الذاكرة السورية. أثار مقتله تنديداً عالمياً واسعاً، ونعته منظمة اليونسكو والجامعات والمؤسسات الثقافية حول العالم، معتبرة إياه “شهيد التراث الإنساني”
ضحى خالد الأسعد بحياته راضياً لكي لا تسقط آثار تدمر في أيدي الجهل، ليثبت للعالم أن الإنسان بلا ماضٍ هو إنسان بلا حاضر ولا مستقبل، وأن الروح قد تفنى، لكن المبادئ والتاريخ لا يموتان.
مـ ـات عالم الآثار خالد الأسعد، ذلك الطود الشامخ الذي لم يُفشِ سراً رغم قسوة جـ ـلاديه وإرهـ ـابهــ ـم وتوحـ ـشهم. مـ ـات بشموخٍ وعزة رغماً عن أنوفـ ـهم فلم يُطأطئ رقبته لهم ولم يأبه بظلامـ ـهم الأسـ ـود. رحل وهو في عُمر الثمانين عاماً، قضاها مُكرَّسةً للعلم، والثقافة، والتنوير.
لقد أسدل الظـ ـلام ستاره ليحجب هذا العالِم الجليل عن وجه الأرض وهم لا يعلمون أن الشمس لا تُحجب بغربال؛ وأن الجسد ما هو إلا قطعة
لحـ ـم وعظـ ـام مآلها المحتوم إلى المـ ـوت، لكنَّ الإرث الذي تركه يناطح السحاب.
أما إرث الـ ـدوا عـ ـش الإرهـ ـابيـ ـيين المهـ ـزومين، إلى الحضـ ـيض، ولعـ ـناتُ مَن في الأرض والسماء تلاحقهم، والخـ ـزي والعـ ـار يكلل هذه العقول المنـ ـحرفة عن طبائع الخير والإنسانية.
لذلك، أين هو دا عـ ـش اليوم؟
لم يتبقَّ منهم سوى شتـ ـاتٍ كالـ ـجـ ـرذان؛ بل إن الجـ ـرذان أسمى مقاماً، فهي على الأقل لم تتجنَّ على بني جـ ـنسها!
#أسعد_صباح