
د.حياة محمد شرارة أيقونة الأدب والترجمة ورمز المأساة الثقافية العراقية
واحدة من أبرز القامات الأدبية والأكاديمية والمترجمات في تاريخ العراق المعاصر. عُرِفت بعمقها الفكري، ودقتها الأكاديمية، وإسهاماتها الاستثنائية في نقل عيون الأدب الروسي إلى اللغة العربية، إلى جانب توثيقها الروائي الصريح لمعاناة النخب الفكرية في العراق.
ولدت حياة شرارة في مدينة النجف في سنة 1935
في بيئة عائلية شديدة الاهتمام بالفكر والأدب والسياسة:
الوالد: الشاعر والمفكر والناقد العراقي البارز محمد شرارة، الذي عُرف بمواقفه التنويرية والدفاع عن حرية الفكر، وكان له الأثر الأكبر في تكوين شخصيتها الثقافية والالتزام بقضايا الإنسان.
نشأت في بيت يذخر بالمكتبات والمناقشات الفكرية، ونشأت إلى جانب أختها الكاتبة والباحثة بلقيس شرارة (زوجة المعماري العراقي الشهير رفعت الجادرجي).
سافرت إلى الاتحاد السوفيتي (سابقاً) لمتابعة دراساتها العليا، حيث تخصصت في الأدب الروسي وحصلت على شهادة الدكتوراه بدرجة امتياز.
بعد عودتها إلى بغداد، عملت أستاذة للأدب الروسي في جامعة بغداد (كلية اللغات / قسم اللغة الروسية). وعُرفت بين طلابها وزملائها بالصرامة العلمية، والإخلاص التام لمهنة التدريس، والحرص على استقلالية الجامعة وحرمة المعرفة.
الإنتاج الأدبي والترجمة
تركت حياة شرارة إرثاً غنياً يتنوع بين الترجمة، والدراسات النقدية، والكتابة الروائية:
قَدمت للمكتبة العربية ترجمات درامية ونثرية رفيعة المستوى لعمالقة الأدب الروسي، ولم تقتصر ترجماتها على النقل اللغوي بل اتسمت بالتحليل النفسي والاجتماعي للنصوص، ومن أبرز ما ترجمته وكتبت عنه:
أعمال ألكسندر بوشكين.
مسرحيات وقصص أنتون تشيخوف.
روايات ليو تولستوي ومكسيم غوركي.
دراسات عن الشاعر فلاديمير ماياكوفسكي.
شاركت مع أختها بلقيس شرارة في تأليف كتاب يتناول سيرة والدهما الشاعر محمد شرارة بعنوان “محمد شرارة: أعوام الفكر والحرب”، والذي صوّر التحولات الفكرية والسياسية في العراق خلال منتصف القرن العشرين.
تُعتبر روايتها الوحيدة “إذا الأيام أظلمت” عملاً شاهداً على عصرها:
تناولت فيها بواقعية مؤلمة حياة الأكاديميين والمثقفين العراقيين خلال تسعينيات القرن الماضي.
وثقت الرواية أثر الحصار الاقتصادي الدولي والتضييق السياسي والاستبداد على النهوض الفكري، وكيف تحول أستاذ الجامعة إلى صراع يومي من أجل البقاء وتأمين القوت الأساسي.
الحصار والنهاية المأساوية
شهدت فترة التسعينيات تدهوراً حاداً في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في العراق نتيجة الحصار الدولي والسياسات الداخلية:
تعرضت د. حياة شرارة للضغوط الإدارية والأكاديمية داخل الجامعة، ورفضت الممارسات التي تمس كرامة الأستاذ الجامعي أو تحول التعليم إلى أداة إديولوجية.
أدى تدهور الظروف المعيشية، وفقدان الأمل في التغيير، والشعور بالعزلة القاتلة تحت وطأة القمع والفقر إلى أزمة إنسانية عميقة.
في 1 أغسطس 1997، وفي حادثة هزت الأوساط الثقافية العربية والعراقية، أنهت د. حياة شرارة حياتها انتـ ـحاراً مع ابنتها الشابة (مها)، تاركة رسالة صامتة تعبر عن رفض الانهيار والمهانة التي وصل إليها العقل العراقي والمؤسسة الأكاديمية آنذاك.
تُصنف د. حياة محمد شرارة اليوم كرمز للمثقف العصامي الذي رفض التنازل عن قيمه العلمية والإنسانية. نُشرت روايتها “إذا الأيام أظلمت” بعد وفاتها لتغدو وثيقة أدبية وتاريخية تشهد على مرحلة قاسية من تاريخ العراق، وما زالت ترجماتها ودراساتها في الأدب الروسي مراجع أساسية للدارسين والباحثين في الأدب المقارن
تركت الدكتورة حياة شرارة رسائل ووصية قبل إقدامها على الانتحار مع ابنتها “مها” في 1 أغسطس (آب) 1997، وقد وُثقت تفاصيل هذه الرسائل في مصادر أدبية وسيرية معتمدة، أبرزها ما دونته أختها الكاتبة بلقيس شرارة.
وجهت حياة شرارة رسائلها ووصيتها بشكل أساسي إلى أختها بلقيس شرارة وزوجها المعماري رفعت الجادرجي (اللذين كانا يقيمان خارج العراق آنذاك).
تضمنت الرسالة شرحاً مؤلماً للدوافع والضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي وصلت إليها.
عبّرت فيها عن القهر والمهانة والتضييق الذي يمارس على الأكاديميين والمثقفين في العراق خلال فترة التسعينيات (زمن الحصار والنظام السابق)، وفقدان الأمل في الاستمرار بحياة كريمة تحفظ للأستاذ الجامعي والمثقف كرامته.
كانت الوصية الأبرز تتعلق بأوراقها ومؤلفاتها، وفي مقدمتها مخطوطة روايتها الوحيدة “إذا الأيام أظلمت”.
طلبت في وصيتها حماية هذه المخطوطات وإيصالها إلى أختها بلقيس شرارة لتقوم بنشرها وحفظها من الضياع والاندثار، وهو ما حدث بالفعل؛ حيث جرى تهريب المخطوطة ونشرها لاحقاً لتكون شاهداً أدبياً وتاريخياً على تلك المرحلة.
ولكن، هناك رواية أخرى تنفي قصة انتـ ـحارها تماماً؛ إذ يُقال إن “زينب”، الابنة الثانية للطبيبة، تمكنت من الهرب واللجوء إلى جيرانهم، وكانت رائحة الغاز تفوح من جسدها بوضوح. استقبلها الجيران وتستروا عليها، لتبدأ بسرد تفاصيل ما حدث.
أخبرتهم بأن قوة أمنية داهمت منزلهم، وأجبرتهم بالقوة على الدخول إلى الحمام، ثم فتحوا عليهم الغاز بهدف قتـ ـلهم وتصوير الحادثة لاحقاً على أنها مجرد عملية انتـ ـحار. غير أن الابنة، وبمجرد أن أحست بانسحاب القوة من المكان، استطاعت فتح الباب والفرار للنجاة بحياتها، لكنها للأسف الشديد لم تستطع إنقاذ والدتها وشقيقتها. رحمهم الله.”
على الرغم من إرثها الغني، وثقافتها، وسمو روحها ورفعتها؛ إلا أن كل ذلك لا يُعد مبرراً للانتـ ـحار، إن كانت قد أقدمت عليه حقاً هرباً من ضنك العيش وتكالب الضغوطات. فالمجتمع العراقي ولا سيما نساؤه لطالما كابد لوعة الفقر، وتحمّل مشقة العمل المضني، وتجرّع مرارة فقد الزوج والأخ والأحبة في مواجهة أعتى الصعوبات القاهرة.
لقد كان يُفترض بها لكونها أكاديمية ومثقفة أن تكون قدوةً يُحتذى بها، ونبعاً يُنهل منه الصبر، والتأقلم، والرضا بحياة الكفاف. ناهيك عن الخطيئة التي ارتُكبت بحق طفلة بريئة (ابنتها) حين ساقتها معها إلى المـ ـوت، في حين نجت طفلتها الآخرى. فرغم ما كانت تمتلكه من تلالٍ من الفكر والمؤلفات، إلا أنها عجزت عن أن تكون الأم التي تحمي فلذة كبدها، بدلاً من أن تجرّها معها إلى
القـ ـبر.
أما إذا كانت السلطة الغاشمة هي من اقترفت هذا الفعل؛ سعياً للتضييق على أفكارها،
وانتقـ ـاماً لمقارعتها للاستبداد وهو الاحتمال الذي أُرجّحه بقوة فنسأل الله أن يتغمدها بواسع رحمته، وأن يلعـ ـن قاتلـ ـيها.
#أسعد_صباح




