جديد

محمد صالح جبر علي واحداً من أبرز رجالات السياسة في العهد الملكي العراقي.

محمد صالح جبر علي

واحداً من أبرز رجالات السياسة في العهد الملكي العراقي. فقد سجل اسمه في التاريخ كأول شخصية من الطائفة الشيعية، وأول شخصية من لواء المنتفك (محافظة ذي قار حالياً)، تتولى منصب رئاسة مجلس الوزراء العراقي.

ولد محمد صالح جبر في قضاء الشطرة بمحافظة ذي قار عام 1896 . نشأ في كنف أسرة متواضعة تنتمي إلى عشيرة بني زيد، وكان والده “جبر” يعمل نجاراً بسيطاً ومشهوراً بحرفته في مدينة الناصرية، بينما تنحدر والدته من عشيرة “السادة المكاصيص”.

رغم ظروفه المعيشية البسيطة التي منحته التأمل والصبر، تسلح بالعلم؛ فأكمل دراسته في “المدرسة الرشدية” بالناصرية، ثم انتقل إلى العاصمة بغداد ليلتحق بـ “المدرسة الجعفرية”. وفي عام 1921، دخل مدرسة الحقوق (كلية القانون لاحقاً) وتخرج فيها عام 1926، ليبدأ مسيرته المهنية متسلحاً بالمعرفة القانونية.

بدأ صالح جبر حياته العملية في سلك القضاء، حيث عُين “حاكماً للصلح” (قاضياً) في قضاء الهندية في شباط عام 1926، ثم نُقل بالمنصب ذاته إلى مدينة السماوة عام 1927. عُرف خلال هذه الفترة بالنزاهة والذكاء، مما مهد له طريق الدخول إلى المعترك السياسي.

في تشرين الثاني من عام 1930، تم انتخابه عضواً في مجلس النواب ممثلاً عن لواء المنتفك، واستمر في تمثيل محافظته لعدة دورات برلمانية لاحقة (1933، 1934، و1937).

في عام 1935، عُين متصرفاً للواء كربلاء (الذي كان يضم مدينة النجف بحدودها الإدارية حينها). كان إدارياً تقدمي النزعة وقام بعدة إصلاحات مهمة في المدينة، منها:

توسيع شبكة الطرق وفتح شوارع جديدة.

القضاء على التلوث وتحسين الصحة العامة من خلال إزالة أحواض المياه غير الصحية ومنع استعمالها، وتأسيس مشروع مياه حديث.

حماية نفائس وكنوز العتبة العلوية وتغليف خزانتها بالخرسانة (الكونكريت) لحمايتها، وهو إنجاز نال به استحسان المرجعيات الدينية في ذلك الوقت.

كما تولى لاحقاً منصب متصرف لواء العمارة في حزيران عام 1941.

بفضل حنكته وشخصيته القوية، توالت عليه المناصب الوزارية في الثلاثينيات والأربعينيات، فشغل حقائب متعددة، منها:

وزير المعارف: لثلاث مرات في الأعوام 1933، 1938، و1939.
وزير العدلية: عام 1936.
وزير العمل والشؤون الاجتماعية: عام 1940.
وزير الداخلية: عام 1941.
وزير المالية: عام 1942.

كما شغل مناصب وزارية أخرى بالوكالة كوزارة الخارجية والدفاع والتموين، وأصبح عضواً ثم رئيساً لمجلس الأعيان العراقي.

رئاسة الوزراء ومعاهدة بورتسموث (1947 – 1948)

في 29 آذار 1947، كُلف صالح جبر بتشكيل الحكومة العراقية.

كان التحدي الأبرز في فترة حكومته هو التفاوض مع بريطانيا لتعديل المعاهدة العراقية البريطانية. وفي كانون الثاني 1948، وقع ما عُرف بـ “معاهدة بورتسموث” (معاهدة جبر – بيفن) مع بريطانيا العظمى.

أثارت هذه المعاهدة غضباً شعبياً واسعاً في الشارع العراقي، إذ اعتبرتها القوى الوطنية تكبيلاً للبلاد وتبعاً مستمراً للسياسة البريطانية. أدى هذا الاحتقان إلى اندلاع انتفاضة شعبية عارمة عُرفت بـ “وثبة كانون 1948”. واجهت قوات الشرطة المتظاهرين بعنف شديد، ووقعت حادثة جسر الشهداء (التي سُميت شعبياً بـ “دگة الجسر”) حيث سقط العديد من الضحايا. وأمام هذا الضغط الشعبي الهائل واتساع رقعة الاحتجاجات، أُجبر صالح جبر على الاستقالة من منصبه في 27 كانون الثاني 1948، وتم إسقاط المعاهدة.

يُجمع من عاصره على أنه كان رجلاً “عصامياً، بنى نفسه بنفسه”، وأنه كان قوي الإرادة، صلب الموقف، وواقعياً في سياسته. ويصفه السياسي العراقي البارز كامل الجادرجي بأنه كان شديد الذكاء، معتداً بنفسه، وذا شخصية قوية وصارمة مع خصومه.

في عام 1951، أسس صالح جبر حزبه السياسي الخاص والذي أطلق عليه اسم “حزب الأمة الاشتراكي”، واستمر في رئاسته ممارساً دوره السياسي حتى تم حل الأحزاب السياسية في العراق عام 1954.

توفي محمد صالح جبر في عام 1957، تاركاً خلفه تاريخاً سياسياً وإدارياً حافلاً جعله أحد أهم الوجوه السياسية التي طبعت العهد الملكي في العراق.

#أسعد_صباح