IMG_5171

حتى عام 1917، كانت النزاعات العشائرية على الفرات –من بغداد إلى البصرة– تُخلّف نحو خمسة آلاف قتيل سنويّاً (وهو رقم مبالغ فيه)، بينما انعدمت هذه النزاعات لاحقاً. وقبل خمس سنوات فقط، لم يكن الفرد قادراً على الذهاب لمسافة التي تبعد عشرين ميلاً دون حراسة مسلحة؛

فقد هوجم “عزرا” ومعه خمسة رجال وسُلِبَ منه مبلغ 50 باوناً، وكان الشيوخ غيرُ المحبوبين شعبياً لا يتحركون إلا برفقة خمسين فارساً مسلحاً.
وعليه، فإن القضاء على هذه الفوضى يُعدّ أمراً إيجابياً، وهو ما يدركه المزارع الفقير وحده.

من مذكرات الكابتن مان، الحاكم السياسي البريطاني لمنطقة الشامية في العراق 1919 – 1920)

تُقدم هذه الشهادة صورة مؤلمة لحجم الفوضى الأمنية في أواخر العهد العثماني؛ فطرق المدن كانت مقطوعة، والسلْب والنزاعات أجزاءً من الحياة اليومية، مما يطرح تساؤلاً مشروعاً حول ما قدمته الدولة العثمانية طيلة أربعة قرون. فالكيان الذي يعجز عن تأمين الطرق، وحماية الأرواح، وفرض القانون، يفشل في بناء دولة حديثة،

وقد ورث العراق عنها ضعفاً إدارياً، وتراجعاً اقتصادياً، وارتفاعاً في الأمية، وغياباً للمؤسسات.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال الحقبة البريطانية بشعار واحد؛ فهي وإن كانت قوة احتلال ذات مصالح سياسية واقتصادية، إلا أنها شرعت في بناء مؤسسات إدارية حديثة، وتطوير البنى التحتية، وإرساء أجهزة حكومية غابت في العهد العثماني.

وهي حقائق تاريخية لا يجوز تجاهلها، تماماً كما لا يجوز غض الطرف عن دوافع الاحتلال.

إن التناقض يكمن في مهاجمة كل ما أعقب العاهل العثماني مع التغاضي عن إرثه الواقعي. فالتاريخ لا يُقْرأ بالعواطف والشعارات بل بالوثائق والنتائج؛ والإنصاف يقتضي الاعتراف بالإخفاقات العثمانية، وفي الوقت ذاته عدم تصوير القوى الاستعمارية بمظهر المُحرِّر. إن احترام التاريخ يبدأ بقراءة مصادره بعيداً عن التقديس أو الشيطنة، فالحقيقة تُبنى على الدليل والوثيقة لا على المبالغات.
#أسعد_صباح