
رياض سعد
كنتُ كائناً مُحدودبَ الظهر، يثقل رأسي شعرٌ كثيفٌ يتدلى كالظلال، وعينان كبيرتان تشبهان فجوتين مظلمتين تلتهمان الضوء، وأنفٌ عريض بمنخرين واسعين يهبطان مثل جسرين مهجورين فوق فمي الصغير… ؛ كنتُ أشبه القردَ إلى حدٍّ مُريب، لكنّي لستُ بقرد… ؛ كنتُ أسيرُ بجانبه أحياناً، نتبادلُ النظراتِ الغريبة، هو يمضغُ أوراقَ الأشجارِ بلذّة، وأنا أقتاتُ على شيءٍ آخر… ؛ شيء لا أستطيع تذكّره الآن… ؛ حركاتي كانت أكثرَ توتّراً، أقلَّ انسيابية، كأنّ جسدي يحملُ ذاكرةً مختلفةً، ذاكرةً لم تكتمل.
عشتُ في مكانٍ عالٍ، حيثُ الجبالُ تخترقُ السحابَ مثل أسنانٍ متكسّرة. خمسةُ آلاف قدم فوق بحرٍ لم أره قط. كان الضبابُ يلفّ كلَّ شيء، يحوّلُ الصخورَ إلى أشباح، والأشجارَ إلى كائناتٍ راقصة… ؛ في الليل، كنتُ أزحفُ إلى كهفٍ رطب، أتوارى بين جدرانه كما لو أنّ الظلامَ كان غطاءً لي… ؛ وعندما يطلعُ الفجرُ الرمادي، كنتُ أخرجُ كالظلّ، أبحثُ عن أيّ شيءٍ يُشبعُ هذا الجوعَ الغامض.
وفي يومٍ ما، في يومٍ لا تاريخَ له لأنّ الزمنَ هناك كان سائلاً كالماء، رأيتُ طريدةً سريعةً تتحرّكُ بين الصخور… ؛ لم أُفكّر، فقط ركضتُ… ؛ ركضتُ بقدمين لا تشبهان قدميّ، بسرعةٍ مجنونةٍ كأنّ شيئاً يطردني من الداخل. وفجأةً، لم تعد الأرضُ تحتيّ. شعرتُ بحافةِ الجبلِ تنكسرُ في الفراغ، وها أنا أطيرُ، ليس كالطير، بل كحجرٍ مُهمَل… ؛ الريحُ تصفرُ في أذنيّ، والعالمُ يدورُ مثل دوّامةٍ ضخمة.
قبلَ أن يتحطّمَ جسدي، رأيتُهم: *ملائكة النور*… ؛ أيديهم اخترقتْ صدري كالسكاكينِ الدافئة، وأخرجوا روحي كما يُنتزعُ السّاقُ من جذرِ الشجرة… ؛ لكنّ عيناً أخرى بقيتْ فيّ، عينٌ رأتْ جسديَ يسقطُ، يصطدمُ بالصخور، ينفتحُ مثل ثمرةٍ ناضجةٍ جداً… , رأيتُ دمي، لزجاً وأسودَ تقريباً، يمتزجُ بالتراب… , ورأيتُ الديدانَ تزحفُ من الأعماق، تلتهمُ لحمي ببطءٍ صبور.
وبينما كان جسدي يتحوّلُ إلى تراب، طارتْ روحي كالشرارة… ؛ اخترقتْ الغلافَ الجويّ، وتركّز نظري على الأرضِ وهي تتقلّصُ ككرةٍ زرقاءَ مريضة… , ثمّ ظلام… , ثمّ كوكبٌ آخر بعيد … ؛ هناك، حيثُ النجومُ تُشعِلُ سماءً لا أعرفها، مَسَحوا ذاكرتي. لم يبقَ شيء. لا القرد، لا الجبل، لا الدم… ؛ فقط فراغٌ أسألُ فيه : *مَن أنا؟* وأسمعُ صدى السؤالِ يعودُ من العدم.