رياض سعد
سلامًا عليك أيها الورع الذي عبر الدنيا خفيفَ الظل على الأرض، ثقيلَ الأثر في ميزان السماء؛ سلامًا عليك أيها النقيُّ الذي لم تُدنِّس كفَّيه شهوةُ ظلم، ولم تُثقل قلبَه غشاوةُ حقد، ولم تنحنِ روحُه إلا لله.
أيها الطاهر الذي كان يمشي بين الناس كأنه آيةٌ من الرحمة، كيف تجرّأ الموت على طرق بابك؟ وكيف امتدّت يدُ الفناء إلى روحٍ كانت أشبه بنجمةٍ هاربةٍ من فردوسٍ قديم؟
أيعلم ملكُ الموت كم سهرتَ ليلك تُخفي دموعَ المحتاجين في جيبِ كرامتهم؟ وكم أرهقتَ قلبك لتزرع في دروب اليائسين وردةَ أملٍ لا تذبل؟ وكم اقتطعت من عمرك لتجعل من جوع اليتامى شبعًا، ومن برد الفقراء دفئًا، ومن انكسارات المنكوبين عزاءً وسندًا؟
أكان يدري أنه حين اقترب منك كان يقترب من قلبٍ ظلَّ عمره كله قنديلًا مضيئًا في عتمات البشر؟ وأنه كان يقف أمام رجلٍ جعل من الصبر عبادة، ومن العطاء لغة، ومن الصمت حكمة، ومن الأخلاق وطنًا؟
لقد كنتَ سترًا للمخطئين حين فضحهم الناس، وملاذًا للضعفاء حين أوصدت الدنيا أبوابها في وجوههم، وكتفًا للمهمومين حين أثقلتهم الحياة بأحجارها السوداء.. , كنتَ تمضي بين الخلق كما تمضي السحابة؛ لا يسمع لها ضجيج، لكنها تترك وراءها الخصب والماء والحياة.
نسجتَ عمرك خيطًا بعد خيط في سجادة المكارم، حتى غدت سيرتُك أنقى من ضوء الفجر حين يولد من رحم الظلام، وأصفى من صلاة شيخٍ أبكته خشيةُ الله في جوف الليل.
ولعلّ ملك الموت، حين بلغ بابك، لم يدخل كما يدخل إلى سائر البيوت؛ بل وقف متهيّبًا أمام هيبة الفضيلة، ثم أخذ روحك برفقٍ ووقار، كمن يحمل أمانةً من نور إلى خزائن النور، وكمن يعيد جوهرةً سماويةً إلى موطنها الأول.
فكيف يضمُّ التراب جسدًا سكنت فيه المكارم حتى صارت بعضًا من نبضه؟ وكيف يجرؤ الفناء على جسدٍ مرّت عليه السنون وهو يوزّع الخير كما توزّع الأشجار ثمارها دون أن تسأل العابرين أسماءهم؟
إن الأجساد تُوارى، أما الأرواح العظيمة فلا تدفن؛ إنها تتحوّل إلى ضوءٍ يسكن ذاكرة المحبين، وإلى دعاءٍ يرفرف فوق الشفاه، وإلى أثرٍ خالدٍ يمشي في حياة الناس بعد رحيل صاحبه.
لقد رحلتَ، لكنك لم تغب.. , فما زالت خطاك تتردّد في الأزقة التي شهدت معروفك، وما زالت المقاعد الفارغة تنتظر ظلك، وما زالت الأرواح التي مسحتَ عن وجوهها غبار الحزن تذكرك كلما ابتسمت بعد ألم.
سلامٌ عليك يوم أشرقت في هذه الدنيا كغصن زيتونٍ مبارك، ويوم عشت بين الناس قلبًا يتقن المحبة أكثر مما يتقن الكلام، ويوم ارتفعت روحك إلى عليين، خفيفةً من أوزار الدنيا، مثقلةً بكنوز الرحمة والإحسان.
سلامٌ عليك يوم استردتك السماء، ويوم فتحت لك أبواب الخلود، ويوم التقيت بمن أحببت من الصالحين والأنقياء.
سلامٌ عليك أيها الجبل الذي احتمت في ظله الفضائل، وأيها النهر الذي شربت منه القلوب العطشى، وأيها المصباح الذي انطفأ في الأرض ليشتعل في السماء.
نم هادئًا في رحاب الله؛ فما مات من جعل من حياته صلاةً طويلةً في محراب الخير، وما غاب من ترك في القلوب وطنًا من الوفاء، وما فني من صار ذكره بين الناس دعاءً، وبين الملائكة بشارةً، وبين النجوم أثرًا من نور.