العراق أولاً: رؤية للسيادة والازدهار..!

رياض الفرطوسي

في لحظة تاريخية تحمل في طياتها آمال شعب وتطلعات أمة، أطلق رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني استراتيجية الأمن الوطني للأعوام 2025-2030، وثيقة حملت اسم “العراق أولاً”، لتكون بمثابة بوصلة ترشد البلاد نحو ميناء الاستقرار والسيادة. ليست هذه الاستراتيجية مجرد وثيقة إدارية أو خطة تنفيذية، بل هي عهد وطني ينبض بروح الطموح، يسعى لإعادة صياغة ملامح العراق الحديث، ويرسم طريقاً يتجاوز التحديات الداخلية والخارجية، ليؤسس لمرحلة جديدة من الازدهار والكرامة. في كلمته التي تخللتها مشاعر الفخر والمسؤولية، تحدث الرئيس السوداني عن رؤية شاملة تهدف إلى حماية كيان الدولة، تعزيز مصالحها الحيوية، وبناء شراكات إقليمية ودولية متوازنة، مستندة إلى المادة 110 من الدستور العراقي التي تؤطر اختصاصات الحكومة الاتحادية في رسم السياسات الخارجية والأمنية.

تتجلى أهمية هذه الاستراتيجية في توقيتها الدقيق، إذ تأتي في ظل عالم مضطرب وإقليم يعج بالتحديات. العراق، الذي نهض من رماد الحروب والصراعات، يقف اليوم على مفترق طرق، حيث يسعى لاستعادة مكانته كفاعل إقليمي مؤثر، لا كمجرد ساحة للتنافس الدولي. الاستراتيجية، التي أُعدت بجهود نخبة وطنية من مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، وبدعم من البعثة الاستشارية للاتحاد الأوروبي، تمثل خارطة طريق لتطوير منظومة الأمن والدفاع، وتعزيز الاقتصاد المتنوع، وترسيخ التعايش السلمي بين مكونات الشعب العراقي. إنها دعوة للعمل الجماعي، حيث يتكاتف الوزراء، المحافظون، القيادات الدينية والثقافية، والمجتمع المدني، لتحقيق أهداف وطنية عليا تتجاوز الفردية والمحاصصة.

على أرض الواقع، تحمل الاستراتيجية أبعاداً متعددة تتجاوز الإطار الأمني التقليدي. فهي تسعى لخلق اقتصاد قوي ومستدام، قادر على مواجهة تقلبات الأسواق العالمية، وهو ما يتسق مع جهود الحكومة في إعادة هيكلة المصارف الحكومية لتتماشى مع المعايير العالمية، كما أشار الرئيس السوداني في تصريحات سابقة. كما تركز على بناء شراكات إقليمية ودولية متوازنة، وهو ما تجلى في استعداد العراق لاستضافة القمة العربية في مايو 2025، والتي ستمثل منصة لتعزيز الحوار الدبلوماسي وتأكيد دور العراق الريادي في المنطقة. هذه القمة، التي تأتي بعد عقد من استضافة بغداد لقمة عربية سابقة، تعكس طموح العراق للعب دور محوري في تهدئة التوترات الإقليمية، كما أشار إليه المحللون في تقارير مركز البيان.

ومع ذلك، فإن التحديات التي تواجه تنفيذ هذه الاستراتيجية ليست هينة. فالعراق ما زال يعاني من تداعيات الفساد، والمحاصصة الطائفية وخلافات التيارات والاحزاب ، كما أشار بعض المعلقين على منصة إكس، حيث عبروا عن مخاوفهم من أن تظل الاستراتيجية مجرد واجهة دون نتائج ملموسة إذا لم تُعالج هذه الإشكاليات.

لكن الرئيس السوداني، في كلمته، شدد على ضرورة التزام جميع مؤسسات الدولة بتنفيذ الخطط التنفيذية تحت إشراف اللجنة الدائمة لمستشارية الأمن القومي، مع دعوة صريحة لتصحيح الخلل وترصده بروح وطنية.

هذا النهج يعكس إدراكاً عميقاً لضرورة بناء الثقة بين الحكومة والشعب، وهي المهمة الأصعب التي أشار إليها تقرير معهد تريندز البحثي، حيث يواجه السوداني تحدي كسب ثقة الشارع العراقي في ظل تراكمات الماضي.

إن أهمية توقيت هذه الاستراتيجية تكمن في قدرتها على الاستجابة لمتغيرات العصر. ففي وقت يشهد الإقليم صراعات جيوسياسية وتحديات بيئية، كما أشار تقرير المنظمة الدولية للعمل حول تأثير التغير المناخي على العراق، يبرز العراق كفاعل يسعى لتحقيق الاستقرار الداخلي والإقليمي.

الاستراتيجية ليست مجرد رد فعل على التحديات، بل هي رؤية استباقية تهدف إلى إعادة تموضع العراق كدولة ذات سيادة، تسودها العدالة والمساواة، كما جاء في كلمة السوداني. إنها دعوة لإعادة إحياء إرث العراق الحضاري، ليعود إلى صدارة الأمم، محملاً بمسؤولية خدمة شعبه والإنسانية جمعاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *