من دعاء العشر الأوائل من ذي الحجة (ح 7) (لَمْ يَتَّخِذْ صاحِبَةً وَلا وَلَداً)

الكاتب : د. فاضل حسن شريف
—————————————
جاء في كتب الأدعية ومنها كتاب مفاتيح الجنان: أن يدعو في كلّ يوم من أيّام العشر بهذه الدّعوات الخمس وقد جاء بها جبرئيل الى عيسى بن مريم هديّة من الله تعالى ليدعو بها في أيّام العشر، ومن هذه الدّعوات الخمس: (2) اَشْهَدُ اَنْ لا اِلـهَ اِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، اَحَداً صَمَداً لَمْ يَتَّخِذْ صاحِبَةً وَلا وَلَدا.

عن تفسير الميسر: قال الله تعالى عن (مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا) “وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا” ﴿الجن 3﴾ مَا حرف نفي، اتَّخَذَ فعل، صَاحِبَةً اسم، وَلَا: وَ حرف عطف، لَا حرف نفي، وَلَدًا اسم. وأنه تعالَتْ عظمة ربنا وجلاله، ما اتخذ زوجة ولا ولدًا.

جاء في معاني القرآن الكريم: ولد الولد: المولود. يقال للواحد والجمع والصغير والكبير. قال الله تعالى: “فإن لم يكن له ولد” (النساء 11)، “أنى يكون له ولد” (الأنعام 101) ويقال للمتنبي ولد، قال: “أو نتخذه ولدا” (القصص 9) وقال: “ووالد وما ولد” (البلد 3) قال أبو الحسن: الولد: الابن والابنة، والولد هم الأهل والولد. ويقال: ولد فلان. قال تعالى: “والسلام علي يوم ولدت” (مريم 33)، “وسلام عليه يوم ولد” (مريم 15) والأب يقال له والد، والأم والدة، ويقال لهما والدان، قال: “رب اغفر لي ولوالدي” (نوح 28) والوليد يقال لمن قرب عهده بالولادة وإن كان في الأصل يصح لمن قرب عهده أو بعد، كما يقال لمن قرب عهده بالاجتناء: جني، فإذا كبر الولد سقط عنه هذا الاسم، وجمعه: ولدان، قال: “يوما يجعل الولدان شيبا” (المزمل 17) والوليدة مختصة بالإماء في عامة كلامهم، واللدة مختصة بالترب، يقال: فلان لدة فلان، وتربه، ونقصانه الواو، لأن أصله ولدة. وتولد الشيء من الشيء: حصوله عنه بسبب من الأسباب، وجمع الولد أولاد. قال تعالى: “إنما أموالكم وأولادكم فتنة” (التغابن 15)، “إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم” (التغابن 14) فجعل كلهم فتنة وبعضهم عدوا. وقيل: الولد جمع ولد نحو: أسد وأسد، ويجوز أن يكون واحدا نحو: بخل وبخل، وعرب وعرب، وروي: (ولدك من دمي عقبيك) (وهذا من أمثال العرب. انظر: مجمع الأمثال 2/363، والبصائر 5/278، وتهذيب إصلاح المنطق 1/125 يعني: من ولدته، وليس هو حديثا كما ظنه المؤلف) وقرئ: “من لم يزده ماله وولده” (نوح 21) (وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف. الإتحاف ص 424).

عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله جلت قدرته “وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا” ﴿الجن 3﴾ الاختيار كسر إن لأنه من قول الجن لقومهم وهو معطوف على قوله “قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا” أي وقالوا تعالى جد ربنا وقال الفراء من فتح فتقديره ف آمنا به وآمنا بأنه تعالى جد ربنا وكذلك كل ما كان بعده ففتح أن بوقوع الإيمان عليه والمعنى تعالى جلال ربنا وعظمته عن اتخاذ الصحابة والولد عن الحسن ومجاهد وقيل معناه تعالت صفات الله التي هي له خصوصا وهي الصفات العالية التي ليست للمخلوقين عن أبي مسلم وقيل معناه جل ربنا في صفاته فلا تجوز عليه صفات الأجسام والأعراض عن الجبائي وقيل تعالى قدرة ربنا عن ابن عباس وقيل تعالى ذكره عن مجاهد وقيل فعله وأمره عن الضحاك وقيل علا ملك ربنا عن الأخفش وقيل تعالى آلاؤه ونعمه على الخلق عن القرظي والجميع يرجع إلى معنى واحد وهو العظمة والجلال على ما تقدم ذكرهما ومنه قول أنس بن مالك كان الرجل إذا قرأ سورة البقرة جد في أعيننا أي عظم وقال الربيع بن أنس أنه قال ليس لله تعالى جد وإنما قالته الجن بجهالة فحكاه سبحانه كما قالت وروي ذلك عن أبي جعفر الباقر عليه السلام وأبي عبد الله عليه السلام. جاء في التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله عز وجل “وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا” ﴿الجن 3﴾ جل سبحانه عن اتخاذ الأبناء، وطهر عن ملامسة النساء، كيف وهو الغني الحميد؟

جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله جل جلاله “وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا” ﴿الجن 3﴾ فسر الجد بالعظمة وفسر بالحظ، والآية في معنى التأكيد لقولهم: “ولن نشرك بربنا أحدا”. والقراءة المشهورة “أنه” بالفتح، وقرئ بالكسر في هذه الآية وفيما بعدها من الآيات – اثنا عشر موردا – إلى قوله: “وأن لو استقاموا” فبالفتح وهو الأرجح لظهور سياق الآيات في أنها مقولة قول الجن. وأما قراءة الفتح فوجهها لا يخلو من خفاء، وقد وجهها بعضهم بأن الجملة “وأنه” “إلخ” معطوفة على الضمير المجرور في قوله “آمنا به” والتقدير وآمنا بأنه تعالى جد ربنا إلخ فهو إخبار منهم بالإيمان بنفي الصاحبة والولد منه تعالى على ما يقول به الوثنيون. وهذا إنما يستقيم على قول الكوفيين من النحاة بجواز العطف على الضمير المتصل المجرور، وأما على قول البصريين منهم من عدم جوازه فقد وجهه بعضهم كما عن الفراء والزجاج والزمخشري بأنها معطوفة على محل الجار والمجرور وهو النصب فإن قوله: “آمنا به” في معنى صدقناه، والتقدير وصدقنا أنه تعالى جد ربنا إلخ، ولا يخفى ما فيه من التكلف. ووجهه بعضهم بتقدير حرف الجر في الجملة المعطوفة وذلك مطرد في أن وأن، والتقدير آمنا به وبأنه تعالى جد ربنا “إلخ”. ويرد على الجميع أعم من العطف على الضمير المجرور أو على محله أو بتقدير حرف الجر أن المعنى إنما يستقيم حينئذ في قوله: “وأنه تعالى جد ربنا” إلخ

وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله جلت قدرته “وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا” ﴿الجن 3﴾ (جد): لها معان كثيرة في اللغة، منها: العظمة، والشدّة، والجد، والقسمة، والنصيب، وغير ذلك، وأمّا المعنى الحقيقي لها كما يقول الراغب في المفردات فهو (القطع)، وتأتي بمعنى (العظمة) إذا كان هناك كائن عظيم منفصل بذاته عن بقية الكائنات، وكذلك يمكن الأخذ بما يناسب بقية المعاني التابعة لها، وإذا ما أطلقنا لفظة (الجد) على والدي لأبوين فإنّما يعود ذلك إلى كبر مقامهما أو عمرهما، وذكر آخرون معاني محدودة لهذه الكلمة فقد فسّروها بالصفات، والقدرة، والملك، والحاكمية، والنعمة، والاسم، وتجتمع كل هذه المعاني في معنى العظمة، وهناك ادعاء في أنّ المقصود هنا هو الأب الأكبر (الجد) وتشير الرّوايات إلى أنّ الجنّ ولقلّة معرفتهم اختاروا هذا التعبير غير المناسب، هذا إشارة إلى نهيهم عن ذكر هذه التعابير. ويمكن أن يكون هذا الحديث ناظراً إلى الموارد التي يتداعى فيها هذا المفهوم، وإلاّ فإنّ القرآن يذكر هذا التعبير بلحن الموافق في هذه الآيات، وإلاّ لم وقد ذكر هذا التعبير أيضاً في نهج البلاغة، كما في الخطبة (191): (الحمد للّه الفاشي في الخلق حمده، والغالب جنده، والمتعالي جدّه). وورد في بعض الرّوايات أنّ أُنس بن مالك قد قال: كان الرجل إذا قرأ سورة البقرة جد في أعيننا. على كل حال فإنّ استعمال هذه اللفظة في المجد والعظمة مطابق لما ورد في نصوص اللغة، ومن الملاحظ أنّ خطباء الجن معتقدون بأنّ اللّه ليس له صاحبة ولا ولد، ويحتمل أن يكون هذا التعبير نفيّ للخرافة المتداولة بين العرب حيث قالوا: إنّ للّه بنات لزوجة من الجن قد اتّخذها لنفسه، وورد هذا الإحتمال في تفسير الآية (158) من سورة الصافات: “وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا” (الصافات 158).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *