عائد الهلالي
لا يخفى على أحد أن المجالس الحسينية تمثل قلب الوجدان الشيعي، ومحرّكًا أساسيًا للهوية الدينية والاجتماعية والثقافية للشيعة، ولاسيما في العراق.
فهذا الارتباط ليس وليد لحظة عابرة أو عاطفة سطحية، بل هو ناتج مسار طويل من الإيمان والولاء والمعاناة، تفاعل فيه التاريخ بالعقيدة، والسياسة بالروح، فكانت النتيجة انصهارًا وجوديًا بين الفرد الشيعي وقضية الإمام الحسين (عليه السلام).
لقد تميز الشيعة في العراق بعلاقة استثنائية بالمجالس الحسينية، لأنهم يعيشون في أرض ارتوت بدم الحسين وأهل بيته وأصحابه، وفيها كربلاء، حيث وقعت ملحمة الطف الخالدة. فالمكان هنا ليس جغرافيًا فقط، بل هو مسرح رباني تجلّى فيه الحق في أبهى صوره، وتجسدت فيه معاني الإيثار والتضحية والصبر، حتى أصبحت هذه الأرض مباركة بالدم الزكي، وصار التفاعل مع مصيبة الحسين عقيدةً يُتنفَّس بها، وشعلة لا تنطفئ على مرّ الزمان.
إن الدوافع الحقيقية لهذا الارتباط تبدأ من منطلق ديني وعقائدي، فالإمام الحسين (عليه السلام) عند الشيعة هو وريث النبوة، وسيد الشهداء، والإمام الذي خرج ليُصلح أمة جده رسول الله (صلى الله عليه وآله). لذلك، فإن البكاء عليه، وإقامة العزاء، وإحياء المجالس، هو في جوهره تعبير عن الولاء للحق، وتجديد للبيعة في كل عام، وإحياء لخط أهل البيت (عليهم السلام) الذي واجه الظلم والاستبداد عبر التاريخ.
كما أن المجالس الحسينية في العراق لم تكن يومًا مجرد طقوس، بل كانت منابر للوعي، ومساحات للثورة الفكرية، ومدارس لتربية الأجيال على القيم الإلهية والمواقف الرسالية. ومنها تخرّج العلماء والمجاهدون والمصلحون، وبهديها انطلقت ثورات وعي كبرى، من ثورة العشرين ضد الاستعمار البريطاني، إلى الانتفاضات الشعبية في العصر الحديث.
هذا العمق العقائدي والوجداني لم يقتصر تأثيره على شيعة العراق وحدهم، بل انعكس على شرائح واسعة من شعوب الأمة الإسلامية. فقد أصبحت كربلاء قبلة للأحرار،
ومجالسها منابر توحّد المسلمين على مظلومية الحسين، حتى وجدنا الآلاف من غير العراقيين يأتون إلى العراق للمشاركة في زيارة الأربعين، أو يحيون المجالس في بلدانهم تأثرًا بما يرونه من إخلاص الشيعة في العراق لهذه الشعائر. فتشكلت بذلك حالة من التآزر الروحي والعاطفي بين المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها.
وقد لعبت وسائل الإعلام والاتصال دورًا في نقل هذا المشهد الحسيني من العراق إلى العالم، فارتفعت منابر العزاء في طهران، ودمشق، والبحرين، ولبنان، بل وحتى في أمريكا وأوروبا، متأثرة بالوهج الحسيني العراقي الذي ألهب القلوب، وزرع الولاء في الأرواح.
إن ارتباط الشيعة في العراق بالمجالس الحسينية ليس ارتباطًا بشريًا طبيعيًا، بل هو مصداق لما قاله الإمام الصادق (عليه السلام): “إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدًا”، وهذه الحرارة هي التي جمعت تحت راية الحسين عشاقًا من كل الأعراق واللغات، فأصبح نداء “يا حسين” مشروعًا أمميًا للحرية والكرامة.