علاء الطائي
في لحظات التحولات الكبرى، لا يعود السؤال: من على حق؟
هو محور الجدل، بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا:
من يملك الشجاعة لإعادة التفكير؟
هكذا تبدو الساحة الشيعية العراقية اليوم مساحة من الخوف المعرفي، ومن الحذر السياسي، ومن الانكماش الوجداني أمام أية فكرة جديدة قد تمس الثوابت أو تزعج النسق السائد.
مؤخرًا، برزت مقالة تحت عنوان:
الحديث عن الدولة الشيعية… انهيار للمشروع الإسلامي في العراق. ورغم الامتناع الأخلاقي عن ذكر الأسماء بدافع احترام الخصوصية الإنسانية، إلا أن مضمون المقالة يستحق الوقوف الطويل، ليس من باب الرد الشخصي، بل من باب النقد البنّاء والجدل المعرفي.
أولًا: أزمة الخوف من الفكرة… قبل الفكرة ذاتها
يبدو أن أكثر ما يُرعب بعض المعترضين على مشروع الإقليم ليس تفاصيل المشروع، بل مجرد طرح السؤال.
هنا ندخل إلى منطقة معرفية دقيقة اسمها في الفلسفة السياسية: سلطة التابو.
هذه السلطة، التي تحولت خلال العقدين الأخيرين إلى سياج نفسي داخل العقل الشيعي العراقي، تمنع التفكير خارج صندوق الوحدة المركزية وكأن كل محاولة لاقتراح بدائل سياسية أو إدارية تعد خيانة عظمى.
لكن الديالكتيك يعلمنا أن الأفكار لا تنمو في بيئة الخوف… بل في فضاء التساؤل… والنقاش… والاعتراف بأن:
الثابت الوحيد في التاريخ… هو التغيير .
ثانيًا: بين المشروع الرسالي والواقع المأزوم
من يرفع راية “المشروع الرسالي” بوصفه مانعًا لأي تفكير بإقليم إداري، عليه أولًا أن يجيب:
أي مشروع رسالي نتحدث عنه؟
هل هو المشروع الذي أنتج:
تآكل البنى التحتية؟
انسداد الأفق السياسي؟
تزايد نسب البطالة إلى أكثر من 40% في بعض محافظات الجنوب؟ (World Bank, 2024, p. 56)
أم هو المشروع الذي حوّل جنوب العراق إلى هامش اقتصادي وسوسيولوجي مقارنة ببغداد وأربيل؟
الحقيقة التي لا مهرب منها:
“لا يمكن لأي مشروع رسالي أن يعيش في بيئة التهميش والاستضعاف الدائم.”
المفارقة المؤلمة أن “المشروع الرسالي” الذي يُقدَّم كمبرر لرفض الإقليم، تحول عند البعض إلى شعار تبريري يُستخدم لتجميل الفشل السياسي.
ثالثًا: الإقليم… بين الجغرافيا والمصير
لنُعِد تعريف المصطلحات:
الإقليم ليس “دويلة”…
وليس “تفتيتًا”…
وليس خيانة للمشروع الإسلامي…
بل هو ببساطة حق دستوري مكفول (الدستور العراقي، 2005، ص. 39)، وأداة إدارية لإعادة توزيع السلطة والثروة والقرار بما يتلاءم مع خصوصية الجغرافيا والديموغرافيا.
بلغة العلوم السياسية، نحن نتحدث عن أنموذج الفيدرالية الإنقاذية التي ظهرت في أكثر من تجربة عالمية لحماية المكونات الاجتماعية من الانصهار القسري في مركزية فاشلة
رابعًا: إشكالية الخلط بين وحدة العقيدة ووحدة النظام السياسي
هناك خلط عميق – بل وخطير – في الخطاب الشيعي التقليدي بين وحدة الهوية العقائدية ووحدة النظام السياسي.
بينما الأولى ثابتة راسخة في ضمير الناس، الثانية ليست قداسة… بل شكل إداري قابل للمراجعة والتطوير.
في علم الاجتماع السياسي، هذا يُعرف باسم: الوهم البنيوي وحدة الشكل والمضمون.
بعبارة أوضح:
يمكن للشيعة أن يكونوا موحدين عقائديًا… لكن متنوعين سياسيًا… دون أن يعني ذلك انهيار المشروع الإسلامي.
خامسًا: الدرس الإيراني… حين انتصر التنظيم على الشعار
كثيرون يلوّحون بالتجربة الإيرانية كدليل على فشل فكرة الإقليم.
لكن الحقيقة أن إيران – من حيث الهيكل الإداري – ليست دولة مركزية صلبة بالمفهوم التقليدي، بل دولة متعددة الأقاليم والمحافظات ذات الصلاحيات الواسعة.
بل إن مجالس شورى المحافظات في إيران تمتلك صلاحيات تشريعية وخدمية لا يحلم بها أي مجلس محافظة عراقي اليوم.
فالسؤال الجدلي هنا:
لماذا يُحرم شيعة العراق من ما هو متاح لشيعة إيران؟
سادسًا: هل حقًا تواجه خطر الانهيار؟ أم أننا نتهرّب من الاعتراف بالأزمة؟
دعونا نواجه الحقيقة بجرأة:
الانهيار الحقيقي ليس في فكرة الإقليم… بل في استمرار تآكل الثقة بين المواطن الشيعي ومؤسسات الدولة العراقية المركزية.
التاريخ يقول:
حين تعجز المركزية عن حماية مواطنيها… تبحث المجتمعات عن وبدائلها الطبيعية.
الإقليم هو رد فعل طبيعي على:
فشل السياسات الاقتصادية.
غياب التنمية.
تراجع الخدمات.
انسداد الأفق السياسي.
سابعًا: من الحق في التفكير… إلى الواجب في الإنقاذ
ختامًا…
لسنا في معركة مصطلحات…
ولا في سجال شخصي…
بل في صراع وجودي بين فكرتين:
فكرة استمرار المركزية رغم كل عوراتها…
وفكرة البحث عن حل دستوري واقعي يُنقذ ما يمكن إنقاذه.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نستمر في معاقبة أنفسنا بالخوف من الحلول.
والسؤال الذي نتركه مفتوحًا:
هل نمتلك الشجاعة الفكرية للاعتراف أن الإقليم ليس تهديدًا… بل قد يكون المخرج الوحيد قبل فوات الأوان؟