رسول حسين ابو السبح
في زمنٍ كان فيه الصمت خيانة، والهمس جريمة، وقفت امرأة من بين الجموع، تحمل الدواء بيد، وتخفي الألم في الأخرى، وتسير بصمتٍ وعزيمة بين عوائل الشهداء والمعتقلين، تضمّد الجراح وتبعث الأمل. تلك هي الدكتورة عالية حسين محمد الحمداني، ابنة العراق الشامخ، وواحدة من نسائه اللواتي سطرن أسماءهن بمداد الشهادة والإباء.
وُلدت عالية في عام 1954، وتخرجت في كلية الصيدلة بجامعة بغداد، لتبدأ مشوارها المهني والعلمي، لكنها لم تنعزل في المختبرات أو تتقوقع في عيادات الصيدلة، بل اختارت طريق النضال، طريق الذين لا يرضون بالدنية، ولا ينحنون أمام الطغاة.
كانت عالية متزوجة من الداعية المجاهد والأستاذ الجامعي جبار تاج الدين، الذي شاطرها الهم والقضية، فكانت شراكة حياةٍ وجهاد، واجه فيها الاثنان مخالب النظام البعثي الغاشم، وكل أدوات قمعه وبطشه.
في مطلع الثمانينيات، حيث كانت حملات الاعتقال تطال كل من له صلة بفكر أو مقاومة أو حتى دمعة على شهيد، كانت الدكتورة عالية من بين النساء المجاهدات المنتميات إلى كادر نسوي تابع لحزب الدعوة الإسلامية، قد كرّسن حياتهن لمساعدة عوائل الشهداء والمعتقلين، بتوفير الأدوية والدعم المالي والمعنوي، في وقتٍ كانت فيه حتى الكلمة الطيبة تُعَدُّ خروجًا على القانون.
لكن النظام كان لهم بالمرصاد. ففي عام 1981، اقتحمت مديرية أمن صدام مستشفى النور في مدينة الشعلة – بغداد، حيث كانت الدكتورة تؤدي عملها الإنساني
والمهني، ليعتقلوها بطريقة همجية، وكأنها مجرمة لا طبيبة. كانت جريمتها أنها اختارت الوقوف إلى جانب المظلومين، ورفضت الصمت أمام جرائم البعث.
اقتيدت إلى المعتقل، وهناك بدأت فصول الألم، فصولٌ من التعذيب الوحشي الجسدي والنفسي، على يد جلادين لا يعرفون رحمة، ولا يملكون ضميرًا. قاومت بصبرها وإيمانها، ولم تستسلم، حتى وهي تُسحب إلى أقبية الظلام، وتُسلَب منها أبسط حقوق الحياة.
وفي عام 1983، أسدل الستار على قصة نورانية، بإعدامها في مقابر جماعية مجهولة الموقع، لكنها معروفة الأثر. دفنت هناك، مع إخوتها المجاهدين: الداعية الشهيد الدكتور عبد الحليم، المهندسة أمال، الأسيرة ميسون، الأسير بهاء، كلهم شهداء، كلهم شموعٌ احترقت لتنير لنا درب الحرية.
رحلت الدكتورة عالية، ولكنها لم تمت، بل خُلّدت في ذاكرة الشرفاء، وفي ضمير العراق المقاوم. لم تكن مجرد صيدلانية، بل كانت أمًا لعوائل المضحين، وبلسمًا لجراحاتهم، وصوتًا للحق في زمن كان فيه الكلام ثورة.
سلامٌ عليها يوم ولدت من رحم الوفاء، ويوم اعتقلت لأجل القيم، ويوم ارتقت شهيدةً في صمت الصحراء، ليبقى اسمها يردده الأحرار.
في حضرة عالية، تنحني الكلمات، وتنبض القلوب بالحسرة والفخر، فنقول: رضوان الله عليها، وعلى كل من معها. وإنا لله وإنا إليه راجعون.