الكاتب : د. فاضل حسن شريف
—————————————
العراق بلد مرت على شعبه محن وابتلاءات نتيجة بطش حكامه والتمييز العنصري والطائفي والمناطقي والعشائري، قليل من دول العالم مر بها. جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قال الله تعالى عن البلاد “وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ” ﴿ق 36﴾ التنقيب السير، المحيص المحيد والمنجا. وفي الآية تذييل الاحتجاج بخلق الإنسان والعلم به وبيان سيره إلى الله بالتخويف والإنذار نظير ما جرى عليه الكلام في صدر السورة من الاحتجاج على المعاد وتذييله بالتخويف والإنذار في قوله: “كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود” إلخ. والمعنى: وكثيرا ما أهلكنا قبل هؤلاء المشركين من قرن هم أي أهل ذلك القرن أشد بطشا منهم أي من هؤلاء المشركين فساروا ببطشهم في البلاد ففتحوها وتحكموا عليها هل من محيد ومنجا من إهلاك الله وعذابه؟.
جاء في الموسوعة الحرة عن انقلاب 14 تموز أو ثورة 14 تموز: موقف الجيش العراقي: عرف الجيش العراقي بأنه منظمة عسكرية ذات عقيدة وطنية، يتسم بالحس العربي والانتماء للقضايا العربية والمصيرية، وذلك بسبب بنيته التأسيسية التي اعتمدت على مجموعة من الشخصيات الوطنية المعروفة بانتمائها العربي. هؤلاء الضباط كانوا قد شاركوا في الثورة العربية الكبرى مع الشريف حسين أو أسهموا مساهمة فعالة في الجمعيات السرية التي دعت إلى استقلال العراق وتحرر العرب من الدولة العثمانية. وكانت أغلب عناصر الجيش العثماني من الضباط ذوي الرتب الرفيعة في الجيش العثماني أو في القوة الخاصة العثمانية، التي كانت تتمتع بكفاءة ومهنية عالية، والمعروفة بالجيش الانكشاري، وهو ما يعادل اليوم قوات الصاعقة أو الحرس الجمهوري أو الملكي. بعد انهيار الدولة العثمانية، انخرط معظم هؤلاء الضباط في الجيش العراقي، وكان لديهم مواقف سياسية نشأت عن تجاربهم في الثورة العربية الكبرى من جهة، وعن أفكار الجمعيات الوطنية السرية التي كانت تدعو إلى الاستقلال والتحرر ووحدة ولايات الدولة العثمانية من جهة أخرى. وبالنظر إلى أن السياسة العراقية كانت تميل، بشكل أو بآخر، إلى سياسة بريطانيا العظمى، فإن بعض الحكومات العراقية لم تكن جادة بما فيه الكفاية في تطوير الجيش وتعزيز قدراته القتالية والتسليحية. وقد أدى ذلك إلى تأجيج مشاعر الضباط، خاصة أصحاب الرتب الصغيرة والمتوسطة الذين كانوا يشكلون عماد الجيش ونواته الأساسية. أما العمل الفعلي لبدء “الثورة” فقد انطلق داخل الجيش بعد عودته من حرب فلسطين الخاسرة، حيث لاحظ الضباط عدم جدية الحكومة في القتال وضعف تسليح الجيش المرسل للمشاركة، كما كانوا يرون أن للحكام دورًا في ضياع فلسطين.
الاتصال السري مع عبد الناصر: بعد ظهور ملامح الاصطفاف الجديد في تنظيم الضباط الوطنيين، بدأ البعض يتمحور حول عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف، بينما بقي آخرون مع القيادة التقليدية للتنظيم التي كان يقودها الفريق نجيب الربيعي ومؤسسو التنظيم رفعت الحاج سري الدين، والعميدين ناجي طالب وناظم الطبقجلي. مع ازدياد شعبية قاسم وعارف وتزايد تأييدهم في صفوف التنظيم، بدأ التيار الجديد يكتسب زخماً لافتاً، مما دفع هذا التطور الهام إلى تعزيز احتمال قيام الحركة الثورية التي كانوا يخططون لها. وكان هذا بدوره يدفعهم إلى اتخاذ خطوات مدروسة لتحقق أهدافهم، والتي كانت تتطلب العمل بصورة منسقة بين الجوانب التعبوية والسياسية لتكون الحركة ناجحة. الخطوة الأولى التي اتخذها التيار الجديد تحت قيادة قاسم وعارف كانت استقطاب أعضاء القيادة التقليدية أو تحييدهم، لضمان عدم انشقاق التنظيم، ومن ثم ضمان عدم تسريب الخطط السرية إلى الاستخبارات العسكرية أو الحكومة. وكان الهدف من ذلك الحفاظ على وحدة التنظيم في مواجهة أي محاولات لتقويض الحركة من الداخل. أما الخطوة الثانية، فقد تمثلت في البحث عن دعم عربي ودولي لموازنة التأييد الذي كان يتمتع به النظام الملكي من جانب المملكة الأردنية الهاشمية وبريطانيا. وبعد سلسلة من الاجتماعات السرية بين قادة التنظيم، والتي شملت تيار القيادة الجديدة لقاسم وعارف، جرى التوصل إلى قرار بضرورة فتح قناة اتصال مع الجمهورية العربية المتحدة، التي كانت تضم سوريا ومصر في إطار الاتحاد العربي. وعليه، سافر كل من عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف إلى الأردن في زيارة ميدانية لتفقد القطعات العسكرية العراقية هناك، وفي خطوة سرية، عبرا إلى سوريا عبر مدينة الرمثة الحدودية الأردنية. في سوريا، اجتمعا مع موفدين من حكومة عبد الناصر في مدينة درعا الحدودية، حيث سلما رسالة سرية تطلب الدعم والإسناد لحركة الضباط الوطنيين في العراق. كانت الرسالة الموجهة إلى الرئيس جمال عبد الناصر تتضمن تفاصيل خطيرة عن التنظيم السري في الجيش العراقي وتأكيد استعداد الضباط للتحرك ضد الحكومة، بدايةً من حلف بغداد والتآمر على القومية العربية. وردت حكومة الجمهورية العربية المتحدة على الرسالة بنصيحة حذرة، تضمنت نقاطاً هامة: أولاً، التأكيد على أن أي تدخل مباشر من جانب عبد الناصر قد يؤدي إلى هيمنة سياسية على الحركة العراقية، وثانياً، دعم الحركة على صعيد المعلوماتية، والتعبئة العسكرية، والتسليح، بالإضافة إلى الدعم الإعلامي والسياسي في المحافل الدولية. وأوصت حكومة عبد الناصر بالتحلي بأقصى درجات السرية في تنفيذ الحركة واختيار أفضل العناصر المهنية. كما شددت على أهمية أن يتولى قائد اللواء الذي سيقود التحرك وضع خطة التنفيذ، لكونه الأدرى بقطعاته وأماكن قوتها وضعفها. استجابة لهذا الرد، عقدت قيادة التيار الجديد بقيادة قاسم وعارف اجتماعاً حاسماً، جرى فيه الاتفاق على أن يتولى عبد السلام عارف وضع خطة تنفيذ الحركة، خاصة وأن اللواء العشرين الذي كان يقوده كان مكلفًا بالتحرك إلى الأردن بموجب توجيهات رئاسة الأركان.
وردت كلمة محيص ومشتقاتها في القرآن الكريم: مَحِيصًا، مَحِيصٍ. تفسير غريب القرآن لفخر الدين الطريحي النجفي: (محص) “محيصا” (النساء 120) معدلا، و”هل من محيص” (ق 36) أي هل يجدون من الموت محيصا أي معدلا، و”ليمحص الله الذين امنوا” (ال عمران 141) أي يخلص الله الذين آمنوا من ذنوبهم وينقيهم منها، يقال: محص الحبل: إذا ذهب منه الوبر حتى يخلص، ومحص الله العبد من الذنب: طهره، وقولهم: ربنا محص عنا ذنوبنا أي اذهب عنا ما تعلق من الذنوب.
جاء في موقع الاتحاد الوطني الكردستاني عن 14 تموز انعطافة سياسية في تاريخ العراق: لقد فشل الزعيم عبد الكريم قاسم في تحقيق ثلاثة أهداف: 1. الوحدة العربية (ولم تكن الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة ضمن أهداف الثورة، إلا في حالة تعرض الجمهورية العراقية إلى خطر هجوم خارجي). 2. فشل في تأسيس نظام ديمقراطي. ولم يكن هذا ذنبه وسنأتي على هذه الموضوعة لاحقاً. 3. كذلك فشل في حل القضية الكردية. لقد فشلت جميع الحكومات القومية العروبية التي ساهمت بإغتيال عبد الكريم قاسم، والتي حكمت العراق من بعده منذ إغتياله يوم 9 شباط 1963 ولحد كتابة هذه السطور أي خلال ما يقارب الأربعين عاماً، فشلت في تنفيذ ما فشل عبد الكريم قاسم في تنفيذه خلال الأربعة أعوام ونصف العام من حكمه والعراق في أشد فترات غليانه. ليس هذا فحسب، بل صارت مفردات القومية والوحدة العربية والديمقراطية في عهد حكم العروبيين من الممنوعات في العراق الذي أعادوه إلى مرحلة ما قبل القومية حيث أحيوا فيه روح البداوة والقبلية وحكم العشيرة والأسرة الحاكمة. أما القضية الكردية فقد اعتمد هؤلاء الحكام في حلها على اسلوب إبادة الجنس مثل عمليات الأنفال والغازات السامة في حلبجة والحروب الداخلية وغيرها، وتدمير أكثر من أربعة آلاف قرية.
حرية المعارضة السياسية: لم تكن المعارضة السياسية حرة في العهد الملكي كما يدعي البعض في محاولة منهم لتأهيل العهد الملكي وتسويقه. ففي العهد الملكي كانت أحزاب المعارضة محظوراً عليها النشاط العلني وخاصة الحزب الشيوعي، الذي تم سجن وتعذيب أعضائه وإعدام عدد من قادته بسبب المعتقد السياسي. وقد سنت السلطة قانوناً يمنع به نشاط الحزب. واتخذت تهمة الشيوعية ذريعة وسيفاً مسلطاً على رقاب الأحزاب الديمقراطية وحتى القومية وضد كل من يتجرأ في إعلان معارضته للسلطة. ولم يسلم من السجن والاضطهاد في العهد الملكي حتى القوميون والديمقراطيون الليبراليون مثل كامل الجادرجي وآخرون. كما تم إسقاط الجنسية العراقية عن مناضلين عراقيين من جميع أحزاب المعارضة بمن فيهم القوميين بسبب معارضتهم للسلطة. ويقول مجيد خدوري في هذا الخصوص: “لقد تم القضاء على حرية التعبير، فأُسكِتَ السياسيون والكتاب والمواطنون الواعون بإجراءات تعسفية لم يسبق لها مثيل، وغصت السجون ومعسكرات الإعتقال بأناس مختلفي الإتجاها. من شيوعيين إلى ليبراليين إلى اشتراكيين إلى ناصريين إلى كرد قوميين إلى ساخطين على الوضع بصورة عامة ووضع جانب منهم تحت الرقابة بإبعادهم عن مسقط رأسهم وشمل القمع كل قطاع.
جاء في جريدة الحقيقة عن منجزات ثورة 14 تموز 1958 للكاتب عبد الخالق حسين: لو نظرنا إلى إنجازات الثورة بالإرتباط إلى ما حققته من تحولات كبيرة في المجتمع العراقي وبقيت تأثيراتها حتى اليوم رغم الثورات المضادة، نجدها تتلخص بما يلي: اولاً- المنجزات السياسية الداخلية: 1 – إلغاء الملَكية وإقامة النظام الجمهوري. 2 – تفجير الوعي السياسي لدى الجماهير الشعبية الواسعة التي كانت محرومة من المساهمة العلنية في النشاطات السياسية، وبذلك رفع مستوى الوعي لدى الجماهير بحقوقها وواجباتها الوطنية، وانغمرت في نشاطات الأحزاب السياسية. إطلاق السجناء السياسيين، وحرية التعبير والتفكير والعمل النقابي والسياسي والثقافي..الخ. 3 -تعزيز الإستقلال السياسي، إذ حققت الثورة الحفاظ على كيان العراق السياسي واستقلاله الناجز وسيادته الوطنية الكاملة وإلغاء جميع المعاهدات الاستعمارية الجائرة والمخلة بالسيادة الوطنية. 4 – في مجال الوحدة الوطنية وحقوق القوميات: التأكيد على شراكة العرب والأكراد في الوطن العراقي. وهذا ما أكد عليه الدستور المؤقت (المادة الثالثة) ولأول مرة في تاريخ العراق، مع ضمان حقوق جميع القوميات الأخرى في المواطنة الكاملة. 5 -ألغت الثورة سياسة الإنحياز نحو الغرب والأحلاف العسكرية والتي سار عليها النظام الملكي والتي أدت إلى إضعاف العراق عسكرياً، لأن الدول الغربية لم تزوِّد العراق بالسلاح خلال تلك الفترة حيث كشفت ثورة 14 تموز بأن العراق لم يكن يملك حتى شبكة رادار بالرغم من كونه عضواً في حلف بغداد. أما سياسة الحياد التي سار عليها النظام الجمهوري فقد أدت إلى حصول العراق على الأسلحة من كلا المعسكرين الشرقي والغربي. 6 -صدور قانون الجمعيات عام 1961، والذي بموجبه أجيزت ما يقارب من 700 جمعية، وإجازة الأحزاب السياسية المؤمنة بالديمقراطية. 7 -ألغت الأبعاد الطائفية من ممارسات الدولة الرسمية، ووضعت الأسس لإلغاء التمييز الطائفي في العراق، تلك السياسية التي مورست خلال الحكم العثماني واستمر عليها العهد الملكي. 8 -إعتماد وتعزيز مقومات الهوية الوطنية العراقية.
ثانياً- في السياسة العربية والمواقف القومية: 1 -توقيع معاهدات ثقافية واقتصادية وعسكرية مع الجمهورية العربية المتحدة. والعمل على تقوية التضامن العربي وتنشيط دور العراق ضمن مؤسسات الجامعة العربية. 2 -دعم حركات التحرر الوطني العربية، منها، دعم الثورة الجزائرية وتخصيص مليوني دينار سنوياً من الميزانية لها، وكان هذا مبلغاً كبيراً في وقته إذ كان يشكل نسبة 2 % من الميزانية العراقية. وكان العراق أول دولة تعترف بميلاد الجمهورية الجزائرية. كما أجزلت حكومة الثورة في دعم ثورة ظفار، ومساعدة الإمارات العربية في الخليج قبل تراكم الثروة النفطية عندهم. ودعم نضال الوطنيين اللبنانيين ضد حكومة كميل شمعون والتدخل الأمريكي. 3 -تأسيس جيش التحرير الفلسطيني. فسح المجال أمام الشباب الفلسطيني للتدريب والعمل في الجيش العراقي ومعاهده. كما وأقترح قائد الثورة الزعيم عبدالكريم قاسم، تأسيس الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية التي كانت تحت حكم الأردن، وقطاع غزة الذي كان تحت حكم مصر آنذاك. فعارضه بشدة الحكام العرب وعلى رأسهم الرئيس جمال عبد الناصر. ولو تحقق هذا الإقتراح وتأسست الدولة الفلسطينية آنذاك، لكانت تحظى بالإعتراف والشرعية الدولية، ولما استطاعت إسرائيل إحتلالها عام 1967 وإلغاءها كدولة ولما حصل ما حصل من كوارث فيما بعد.