مصيبة العراق بالفوضى الإعلامية..!

كندي الزهيري

ليست كارثة العراق في قلة الإعلام، بل في كثرة وسائله وتناقض أهدافه، وفي تحوله من سلطة رابعة إلى سلطة منفلتة، لا يحكمها قانون ولا يضبطها ضمير.

العراق اليوم يغرق في بحر من القنوات، والمنصات، والصفحات، والشخصيات التي تدّعي “الإعلام”، لكنها لا تنقل الحقيقة، بل تصنعها على مقاس الممول، وتُفرّغ عقول الناس بدلاً من أن تنيرها.

لقد أصبحت الكاميرا في العراق تشبه فوهة بندقية، تُصوّب لا لكشف الحقيقة، بل لإسقاط الخصوم، وابتزاز السياسيين، وتضليل الرأي العام. فالمؤسسة الإعلامية في كثير من الأحيان لم تعد تبحث عن معلومة صحيحة، بل عن مادة مثيرة، حتى لو كانت كاذبة.

وتحوّلت مهنة الصحافة إلى تجارة رابحة عند البعض، يساوم بها السياسي كما يساوم بها التاجر، ويقبض الثمن على “سكوت” أو “تشويه” أو “تطبيل”، وإذا أردت أن تعرف مستوى فوضى الإعلام في العراق، فانظر كيف تُدار الأحداث.

إشاعة واحدة قد تسقط شخصية عامة، وفيديو مفبرك قد يفجّر شارعًا، ومعلومة مغلوطة كفيلة بإشعال فتنة. لم يعد أحد يتحرّى المصدر، ولا أحد يسأل عن الهدف. أصبحنا في غابة من الأصوات المتضاربة، كل منها تدّعي الوطنية، بينما هي تُنَفّذ أجندة. هناك من يعمل للمخابرات، وهناك من يعمل للمال، وهناك من ينهش بلده ليُرضي جهة خارجية أو حزب داخلي.

أما المواطن، فهو الضحية الأولى لهذا الانفلات. بين قناة وأخرى، تضيع الحقيقة. وبين مؤثر وآخر، يضيع الوعي. وبسبب هذا التشويش المستمر، فقد العراقي ثقته بكل شيء: لا يصدق الحكومة، ولا المعارضة، ولا الإعلام. مجتمع بلا ثقة هو مجتمع مهدد بالانهيار الداخلي، فالثقة هي أساس أي نهضة، وهي الحبل الذي يربط المواطن بوطنه، وإذا انقطع، عادت الناس إلى الغرائز، والقبائل، والمصالح الشخصية.

والأدهى من ذلك أن الدولة غائبة تمامًا. لا توجد هيئة مستقلة تضبط الفوضى الإعلامية، ولا توجد معايير مهنية تُفرض على القنوات. بل إن كثيرًا من الجهات الرسمية تتعامل مع الإعلام بمنطق الترويج والدعاية فقط، وليس بمنطق الشفافية والمسؤولية. تُغذّي هذا الانفلات بدل أن تُقوّمه، وتستثمر فيه بدل أن تحاربه.

وكأن الإعلام بات ساحة معركة، كل طرف يريد أن يزرع فيها صوته، بغض النظر عن الخراب الذي يُخلّفه.

هذه الفوضى الإعلامية ليست مجرد صدفة، بل هي جزء من خطة كبرى لضرب وعي الشعب، ولجعل العراقي دائمًا في حالة توتر، وانقسام، وتشكيك. إنها حرب نفسية ناعمة، أخطر من الرصاص والدبابات، لأنها تستهدف العقول، وتبني جدارًا من الأكاذيب بين المواطن وواقعه، وتُغيّب الوعي الجماعي حتى لا يثور أحد، ولا يُحاسب أحد. العراق اليوم لا يحتاج إلى إعلام أكثر، بل إلى إعلام أنظف.

لا نحتاج إلى المزيد من القنوات، بل إلى قناة تقول الحقيقة كما هي، بلا رتوش ولا انحياز. نحتاج إلى منصة تحترم عقل العراقي، لا تستغفله، ولا تبيعه لأقرب مزايد.

نحتاج إلى إعلام حرّ، وطني، ملتزم، يكون ضميرًا حيًّا للشعب، لا أداة في يد المتنفذين.

حتى ذلك الحين، ستبقى الكارثة مستمرة، وستبقى الفوضى الإعلامية سُمًّا يتسرّب كل يوم إلى عقول العراقيين، حتى يُصبحوا غرباء في وطنهم، لا يعرفون من الصادق، ومن الكاذب، ومن الوطني، ومن العميل. وفي زمن الفوضى، تسقط الأوطان لا برصاص الأعداء، بل بأكاذيب الأصدقاء.