مفهوم المجتبى في القرآن الكريم والحسن عليه السلام (ح 3)

الكاتب : د. فاضل حسن شريف
—————————————
عن تفسير الميسر: قوله عز وجل عن اجتباه “فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ” ﴿القلم 50﴾ فَاجْتَبَاهُ: فَ حرف استئنافية، اجْتَبَا فعل، هُ ضمير. فَاجْتَبَاهُ: اصطفاه. فاجتباه رَبّه: فاصْـفاه بعَوْدة الوَحْي إليه. فاصبر أيها الرسول لما حكم به ربك وقضاه، ومن ذلك إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم، ولا تكن كصاحب الحوت، وهو يونس عليه السلام في غضبه وعدم صبره على قومه، حين نادى ربه، وهو مملوء غمًّا طالبًا تعجيل العذاب لهم، لولا أن تداركه نعمة مِن ربه بتوفيقه للتوبة وقَبولها لَطُرِح مِن بطن الحوت بالأرض الفضاء المهلكة، وهو آتٍ بما يلام عليه، فاصطفاه ربه لرسالته، فجعله من الصالحين الذين صلحت نياتهم وأعمالهم وأقوالهم.

قال الله تبارك وتعالى كذلك عن يجتبي ومشتقاتها “أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَـٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا” ﴿مريم 58﴾، و”ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ” ﴿طه 122﴾، و”هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ” ﴿الحج 78﴾، و”يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ۚ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ” ﴿سبإ 13﴾، و”شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ” ﴿الشورى 13﴾، و”فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ” ﴿القلم 50﴾.

جاء في موقع تدارس القرآن: قال الله تعالى “وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ” (البقرة 247)، “إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ” (آل عمران 33)، “اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ” (الحج 75)، “وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ” (الأنعام 87)، “مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ” (آل عمران 179) س/ ما الفرق بين الإجتباء والاصطفاء في القرآن؟ ج/ ذكر بعض أهل العلم أنهما مترادفان بمعنى واحد وهو الاختيار. وذكر البعض فروقا: فمنهم من جعل (الاجتباء) بمعنى الاختيار المطلق، و(الاصطفاء) لمن يحملون أوصافًا خاصة تميزهم عمن قد يظن تشابههم. ومنهم من قال (الاجتباء) من الله لخلقه لمن شاء منهم، و(الاصطفاء) مخصوص بالرسل عليهم السلام. والله تعالى أعلم.

عن المرجع الالكتروني للمعلوماتية: الامام الحسن المجتبى عليه السلام للكاتب عبد الحسين الشبستري: هو أبو محمد وأبو القاسم الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي، العدناني، المضري، وأمّه سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء بنت النبي الأكرم محمّد المصطفى صلّى اللّه عليه وآله. لقّب بألقاب عديدة، منها: المجتبى، والزكي، والسبط الأول، والتقي، والزاهد، والأمير، والحجّة وغيرها. هو الإمام الثاني من أئمة أهل البيت المعصومين عليهم السّلام، وسبط النبي محمّد صلّى اللّه عليه وآله وريحانته من الدنيا، والنجل الأكبر للإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، وأحد سيّدي شباب أهل الجنة. ولد بالمدينة المنوّرة في النصف من شهر رمضان المبارك من السنة الثالثة للهجرة، وقيل: في السنة الثانية من الهجرة، وقيل: بعد الهجرة النبوية بأربع سنوات وتسعة أشهر ونصف. جاءت به أمّه الزهراء عليها السّلام بعد مولده بسبعة أيام إلى جدّه المصطفى صلّى اللّه عليه وآله فسمّاه حسنا، وعقّ عنه كبشا. كان في قمة المجد والسؤدد والنسب الرفيع وطهارة المولد، رضع من ثدي أمّه الزهراء عليها السّلام، وهي أقدس وأشرف امرأة على وجه الأرض، وتربّى في بيت خدّامه الملائكة، ونشأ في أجواء الوحي والرسالة والنبوّة، وشبّ في محيط تكتنفه الآيات والسور، وترعرع على عبادة اللّه مخلصا له متفانيا في ذاته جلّ وعلا، فصار مجمعا للخصال الحميدة، كالزهد والتّقى والورع، بالإضافة إلى تبحّره في العلوم والمعارف. كان أشبه الناس بجدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، وورث منه الهيبة والسؤدد.

الامام الحسن المجتبى عليه السلام صار مضرب الأمثال في الجود والكرم والحلم، وكان مأوى الفقراء والمستضعفين والمحرومين. عرف بالصدق ورحابة الصدر والفصاحة وحسن المنطق وسرعة البديهة. عاش مع جدّه النبي صلّى اللّه عليه وآله صلى الله عليه وآله وسلم سنين، ومع أبيه المرتضى عليه السّلام 30 سنة، ولم يزل مع أخيه الإمام الحسين عليه السّلام حتى استشهد مسموما. بويع للخلافة والإمامة بعد استشهاد أبيه أمير المؤمنين عليه السّلام في شهر رمضان سنة 41 هـ وذلك بنص من أبيه. عاش بعد أبيه مظلوما مضطهدا، حيث ابتلي – كأبيه – بعصابات شريرة ومن أتعس خلق اللّه سيرة وخلقا، فكانوا يضمرون له – كما كانوا لأبيه – العداوة والبغضاء، فواجهوه بالإهانة والسب له ولأبيه، فكان يقابلهم بصبره وحلمه الواسع. كان على رأس أعدائه ومناوئيه بنو أمية بزعامة معاوية بن أبي سفيان وأشياعه، وأم المؤمنين – عائشة بنت أبي بكر – وأتباعها، فلاقى منهم صنوف التحدّيات والعذاب، حتى انتهى بهم الأمر بأن أعلنوا عليه الحرب، ولكنّه – لبعد نظره وإمعانه في مصالح الإسلام والمسلمين وحلمه وصبره وتجلّده – فضّل الهدنة والمصالحة مع زعيم العصابة معاوية، وذلك حرصا منه على دماء ومصالح المسلمين، فوقّع على وثيقة صلح بينه وبين معاوية في شهر ربيع الأول سنة 41 ه، وذلك بعد تسلّمه منصب الخلافة والإمامة بستة أشهر وثلاثة أيام. ولم يزل يسكن المدينة المنوّرة تحت ظروف قاسية وأجواء رهيبة حتى دس إليه معاوية السم عن طريق زوجته جعدة بنت الأشعث بعد أن أغراها بالأموال وبعض المغريات الأخرى، فمرض على أثر ذلك السم، فلزم فراشه أربعين يوما، ثم التحق بالرفيق الأعلى، وذلك لليلتين بقيتا من صفر سنة 50 ه، وقيل: سنة 49 ه، وقيل: سنة 51 هـ وله من العمر 47 سنة، وقيل: 48 سنة، ودفنه أخوه الإمام الحسين عليه السّلام في البقيع عند جدّته فاطمة بنت أسد. كان من المقرر أن يدفن عند جده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، ولكن أعداءه وأعداء أبيه أمثال عائشة ومروان بن الحكم ومن على شاكلتهم عارضوا دفنه عند جدّه. قال عبد اللّه بن العباس: أقبلت عائشة في أربعين راكبا على بغل مرحل، وهي تقول: ما لي ولكم، تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أهوى ولا أحب. فقال لها ابن عباس بعد كلام: جمّلت وبغّلت ولو عشت لفيّلت. وقال في ذلك الصقر البصري الشاعر، مخاطبا عائشة: ويوم الحسن الهادي * على بغلك أسرعت ومايست ومانعت * وخاصمت وقاتلت وفي بيت رسول اللّه * بالظلم تحكّمت هل الزوجة أولى با * لمواريث من البنت لك التسع من الثمن * فبالكل تحكمت تجمّلت تبغّلت * ولو عشت تفيّلت. ولما وصل خبر استشهاده إلى معاوية في الشام أظهر فرحا وسرورا حتى سجد وسجد من كان معه.