فروقات قرآنية (الضياء والنور) (ح 1)

الكاتب : د. فاضل حسن شريف
—————————————
عن تفسير الميسر: قال الله جل جلاله “هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ” (يونس 5) ضياء اسم، نورا اسم، وَالْقَمَرَ: وَ حرف عطف، الْ اداة تعريف قَمَرَ اسم. ضِياءً: تضيء الأرض بشعاعها الحار نهارا. وَ القَمَرَ نوراً: ينور الأرض ليلاً نورا هادئاً. لله هو الذي جعل الشمس ضياء، وجعل القمر نورًا، وقدَّر القمر منازل، فبالشمس تعرف الأيام، وبالقمر تعرف الشهور والأعوام، ما خلق الله تعالى الشمس والقمر إلا لحكمة عظيمة، ودلالة على كمال قدرة الله وعلمه، يبيِّن الحجج والأدلة لقوم يعلمون الحكمة في إبداع الخلق. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قال الله جل جلاله “هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ” (يونس 5) “هو الذي جعل الشمس ضياءً” ذات ضياء، أي نور “والقمر نورا وقدره” من حيث سيره “منازل” ثمانية وعشرين منزلا في ثمان وعشرين ليلة من كل شهر، ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوما، أو ليلة إن كان تسعة وعشرين يوما “لتعلموا” بذلك “عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك” المذكور “إلا بالحق” لا عبثا تعالى عن ذلك، “يفصل” بالياء والنون يبين “الآيات لقوم يعلمون” يتدبرون.

قال الله تعالى عن نور “يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ” ﴿المائدة 15﴾، “يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴿التوبة 32﴾، “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” ﴿النور 35﴾، “أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ” ﴿النور 40﴾، “أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَـٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ” ﴿الزمر 22﴾، “يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ” ﴿الصف 8﴾، “مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ” ﴿البقرة 17﴾، “اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” ﴿البقرة 257﴾، “يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا ﴿النساء 174﴾، “يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ” ﴿المائدة 16﴾، “إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا” ﴿المائدة 44﴾، “وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ” ﴿المائدة 46﴾، “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ” ﴿الأنعام 1﴾، “وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ” ﴿الأنعام 91﴾، “أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” ﴿الأنعام 122﴾.

قال الله تعالى عن ضياء ومشتقاتها “هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ” ﴿يونس 5﴾، “وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ” ﴿الأنبياء 48﴾، “قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ” ﴿القصص 71﴾، “يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ۖ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” ﴿البقرة 20﴾، “مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ” ﴿البقرة 17﴾، “شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ” ﴿النور 35﴾.

وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قال الله جل جلاله “هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ” (يونس 5) قيل: ان الضياء والنور كلمتان مترادفتان تعبّر ان عن معنى واحد. وقيل: ان معنى كل يختلف عن معنى الأخرى، فكلمة الضوء تدل على ما كان نوره ذاتيا، وليس مستمدا من غيره كضوء الشمس، وكلمة النور تدل على ما كان نوره مكتسبا من الغير كنور القمر، فإنه مكتسب من الشمس.. ويلاحظ بأن الآية لم ترد لبيان شيء من ذلك، وانما القصد التنبيه على وحدانية اللَّه وقدرته، تماما كالآية التي بعدها بلا فاصل، وان الحكمة من كوكب الشمس والقمر ما أشار إليه بقوله: “وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والْحِسابَ”. الضمير في قدره يعود إلى القمر، والمعنى ان اللَّه سبحانه جعل للقمر منازل ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، تماما كغيره من سنن الطبيعة، والقصد من هذا الثبات هوضبط الأوقات الذي لا تتم الحياة الا به، وتكلمنا عن ذلك عند تفسير الآية 36 من سورة التوبة والآية 96 من سورة الأنعام. “ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ”. لقد فصل سبحانه آيات الكون خلقا وإيجادا، وشرحا وبيانا ليتدبرها كل من وهبه اللَّه الاستعداد للتأمل والتعقل الذي يؤدي إلى الايمان باللَّه وقدرته وحكمته. وسبق أكثر من مرة انه جل وعز يسند إليه الظواهر الكونية، والتغيرات الجارية على سننها الطبيعية، يسندها إليه من باب اسناد الفعل إلى سببه الأول الكامن وراء الظواهر، ليبقى الإنسان دائما على تذكّر من الخالق المتصرف في الكون.

جاء في موقع موضوع عن الفرق بين النور والضوء للكاتب إسلام الزبون: الفرق بين النور والضوء يُمكن توضيح الفرق بين النور والضوء من خلال الآتي: يُستعمل الضوء في التأثير على الغير، بينما النور فإنَّه عام بغض النظر كان نوراً ذاتيّاً، أم نوراً عرضيّاً من الغير. يُستعمل الضوء في اللمعان الحسي، بينما يُستعمل النور في اللمعان الباطني والحسي. يمتزج الضوء بنوع من الحرارة والإحراق، مثل: ضوء الشمس، بينما يمتزج النور بالإشراق، ولكن ليس فيه إحراق. النور والضوء في المعاجم تُشير الكثير من المعاجم اللغويّة الأجنبيّة، مثل: الإنجليزيّة، والفرنسيّة، والألمانيّة إلى أنَّ الضوء، والنور كلمتان مترادفتان، حيث ترد الكلمتان بالألفاظ (light-lumiere-licht)، وترجمة هذه الكلمات هي الضوء، ولكنَّ اللغة العربية تستوعب الفرق بين الضوء والنور، وتُفرّق بينهما وفقاً لنوعية مصدر الضوء سواء كان مباشر، أو غير مباشر، ويُعرّف الضوء على أنَّه كلمة تُرادف النور، ويعد الضوء أقوى وأسطع من النور، ويكون الضوء ذاتيّاً كضوء الشمس والنار، بينما النور هو الذي يتم اكتسابه من جسم آخر كنور القمر. ضوء الشمس ونور القمر يجدر بالذكر أنَّ كثيراً من الناس لا يُفرّقون بين النور والضوء، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى فرّق بين الضوء والنور من خلال أشعة الشمس والقمر، حيث يقول جلّ في علاه: “هُوَ الَّذي جَعَلَ الشَّمسَ ضِياءً وَالقَمَرَ نورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعلَموا عَدَدَ السِّنينَ وَالحِسابَ ما خَلَقَ اللَّـهُ ذلِكَ إِلّا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَومٍ يَعلَمونَ” (يونس 5)، حيث إنَّ الشمس ضوء، والقمر نور، وأثبتت دراسات العلوم الحديثة باللغات على أنَّ النور والضور كلمتان غير متحدتين، وأثبت ذلك أيضاً بعض العاملين في الإعجاز العلميّ. تعد الشمس أيضاً مصدراً مباشراً للضوء، بينما يعد القمر مصدراً غير مباشر للضوء، حيث يعكس ضوء الشمس إلى الأرض، وبالتالي فإنَّ الله عزّوجلّ سمّى أشعة القمر بالنور؛ ولذلك فإنَّ الفرق هُنا يكمن من أنَّ الأشعة التي تأتي من مصدر ضوء مباشر تُسمّى بالضوء، وتلك التي تأتي من مصدر ضوء غير مباشر تُسمّى بالنور.

جاء في معاني القرآن الكريم: نور النور: الضوء المنتشر الذي يعين على الإبصار، وذلك ضربان دنيوي، وأخروي، فالدنيوي ضربان: ضرب معقول بعين البصيرة، وهو ما انتشر من الأمور الإلهية كنور العقل ونور القرآن. ومحسوس بعين البصر، وهو ما انتشر من الأجسام النيرة كالقمرين والنجوم والنيرات.

عن مركز الرصد العقائدي كيف يكون الله نوراً مع أن النور مستفاد من غيره؟ للشيخ أحمد الكعبي: السؤال: ورد في دعاء الصباح: «وشعشع ضياء الشمس بنور تأجُّجهِ»، الفرق بين الضياء أنَّه ضوءٌ ذاتيٌّ، أما النور فهو ضوءٌ عارض، والقرآن الكريم ذكر بقوله تعالى: “ﷲُ نور السماوات والأرض” (النور 35)، فهل تسمح بتوضيح وهل بينهما تعارض؟ ينبغي الكلام أوّلاً في الفرق بين (الضياء) و(النور)، وثانياً في تعارض ذلك مع كون الله تعالى نوراً، فالكلام في أمرين: الأمر الأول: الفرق بين (الضياء) و(النور): وقع خلافٌ بين العلماء في الفرق بينهما على أقوال، عمدتها ثلاثة: الأوّل: الترادف: وهو أنّ الضياء والنور بمعنىً واحد، ويجوز استعمال أحدهما مكان الآخر من دون فرق في الدلالة، قال أبو هلال العسكريّ: (الفرق بين الضياء والنور: هما مترادفان لغة) (الفروق اللغويَّة ص332). الثاني: الضياء أقوى من النور: فالاختلاف بينهما من جهة الشدّة والضعف، فاستعمال الضياء مع الشمس يشير إلى قوة الإشعاع وسطوعه، بينما استُعمل النور مع القمر لأنَّه أضعف وألطف إشراقاً. وهذا المعنى قد يستفاد من قوله تعالى: “هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا” (يونس 5)، وقوله تعالى: “وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا” (نوح 16) وقوله: “وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا” (الفرقان 61)، حيث شبّهت الآيات الشمسَ بالسراج، وهو ما ينبعث منه الضوء بقوّةٍ وحرارةٍ، بخلاف القمر الذي يوصف بأنَّه منيرٌ فقط. الثالث: الضياء نورٌ ذاتيٌّ والنور أعمّ: فالضياء هو النور الذاتيّ، أي الذي يصدر من ذات الجسم المضيء دون استعانةٍ بغيره كما هو الحال في الشمس، وأمّا النور فهو أعمّ، فيُطلق على النور الذاتيّ كما في الضياء، ويُطلق أيضاً على النور العرضيّ، أي المنعكس والمكتسب من مصدرٍ آخر كما هو حال القمر الذي يكتسب نوره من الشمس. وبذلك، يكون التعبير القرآنيُّ دقيقاً ومحكماً في التفريق بين المصدر الذاتيّ للضوء (الشمس) والمصدر العاكس أو المكتسب (القمر)، فالشمس أشبه بـ (السراج) الذي يشتعل بذاته، في حين أنّ القمر كـ (مرآة) تعكس نور السراج. وقد أشار إلى هذه الأقوال الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ في قوله: (هناك نقاشٌ طويل بين المفسّرين في الفرق بين كلمتي الضياء والنور، فالبعض منهم اعتبرهما مترادفتين وأنّ معناهما واحداً، والبعض الأخر قالوا: إنّ الضياء استعمل في ضوء الشمس فالمراد به النور القويّ، أمّا كلمة النور التي استعملت في ضوء القمر فإنّها تدلُّ على النور الأضعف. الرأي الثّالث في هذا الموضوع هو أنّ الضياء بمعنى النور الذاتيّ، أمّا النور فإنّه أعمّ من الضياء ويشمل الذاتيّ والعرضيّ؛ وعلى هذا فإنّ اختلاف تعبير الآية يشير إِلى هذه النقطة، وهي أنّ الله سبحانه قد جعل الشمس منبعاً فوّاراً للنور، في الوقت الذي جعل للقمر صفة الاكتساب، فهو يكتسب نوره من الشمس. والذي يبدو أنّ هذا التفاوت مع ملاحظة آيات القرآن هو الأصح؛ لأنّا نقراً في (نوح 16): “وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا” (نوح 16) وفي (الفرقان 61)، “وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا” (الفرقان 61)، فإذا لاحظنا أنّ نور السراج ينبع من ذاته، وهو منبعٌ وعينٌ للنور، وأنّ الشمس قد شُبّهت في الآيتين بالسراج، سيتّضح أنّ هذا التفاوت مناسبٌ جداً في الآيات مورد البحث) (تفسير الأمثل ج6 ص301).