صوتك أقوى من خطاب الكراهية: الانتخابات بين التحريض الطائفي وفرصة الإصلاح

حسين شكران الأكوش العقيلي

مدخل: حين يُستدعى الماضي ليُجهض المستقبل

في كل موسم انتخابي، تُفتح جراح الماضي وكأنها لم تندمل، لا لتُداوى، بل لتُعرض على شاشات التحريض، وتُستثمر في صناديق الاقتراع. يُعاد تدوير الحزن، وتُستنهض الذاكرة المثقلة بالدموع، لا لتُنتج وعيًا، بل لتُعيد إنتاج الاصطفاف. كأنّ الوطن لا يُبنى بالبرامج، بل يُقسم بالشعارات. كأنّ المواطن لا يُخاطب بعقله، بل يُستدرج بعاطفته المذهبية.

وهكذا، تتحول الانتخابات من فرصة إصلاح إلى موسم استقطاب، ومن لحظة أمل إلى ساحة صراع. يُستبدل الحديث عن الخدمات، والتعليم، والصحة، بالحديث عن “الآخر” الذي يُهدد الهوية، ويُخيف الطائفة، ويُعيدنا إلى مربع الخوف.

 التحريض الطائفي: صناعة الخوف وتزييف الوعي

التحريض الطائفي ليس مجرد خطاب، بل منظومة كاملة تُعيد تشكيل الوعي الجمعي على أساس الانقسام. يُستخدم فيه:

– الرمز الديني كأداة تعبئة، لا كمنارة هداية.

– الحدث التاريخي كذريعة للتخندق، لا كدرس للتجاوز.

– الضحية كوسيلة للابتزاز السياسي، لا كنداء للعدالة.

يُقال للناس: “صوّتوا لمن يُشبهكم”، لا لمن يُصلح حالكم. ويُقال لهم: “الطائفة أولًا”، لا “الوطن أولًا”. وهكذا، يُختطف الصوت، ويُختزل المواطن في مذهبه، ويُغتال الإصلاح قبل أن يُولد.

 الانتخابات كفعل مقاومة: من الطائفة إلى الوطن

لكنّ الواقع العراقي اليوم لا يحتمل مزيدًا من التشرذم. المواطن الذي يُعاني من انقطاع الكهرباء، وتردي الخدمات، وغياب العدالة، لم يعد يملك رفاهية التصويت على أساس الولاء الطائفي. إنّها لحظة فارقة:

– إما أن نُعيد تعريف الانتخابات كأداة إصلاح، أو نتركها تُختطف مجددًا.

– إما أن نُصوّت بعقلٍ يبحث عن الحل، أو بعاطفةٍ تُعيد إنتاج الأزمة.

الانتخابات ليست معركة طوائف، بل اختبار وعي. وهي ليست مناسبة لتصفية الحسابات، بل فرصة لتصحيح المسار. والمشاركة فيها ليست مجرد حق، بل واجب أخلاقي في وجه من يُريدون تحويل الوطن إلى ساحة صراع دائم.

نداء إلى كل عراقي: لا تسمحوا للكراهية أن تُصوّت باسمكم

أيها العراقيون،  

الطائفية لا تُطعم جائعًا، ولا تُشفي مريضًا، ولا تُصلح طريقًا. أما صوتكم، فهو قادر على أن يُعيد للوطن وجهه الحقيقي. لا تسمحوا لأحد أن يُصوّت باسمكم عبر خطاب الكراهية. لا تُمنحوا أصواتكم لمن يُتقن فن التحريض، ويُجيد صناعة الخوف.

صوتكم أمانة، فلا تُعطوه لمن يُفرّق، بل لمن يُجمّع. ولا تُصوّتوا لمن يُذكّركم بالموت، بل لمن يُعيد إليكم الحياة.

 ختاما: بين الماضي والمستقبل، صوتك هو الجسر

نحن أبناء وطنٍ واحد، وإن اختلفت مذاهبنا. نحن أبناء وجعٍ واحد، وإن تنوعت لهجاتنا. والانتخابات ليست مناسبة لتأكيد الانقسام، بل فرصة لتجديد العهد مع الوطن. فلنُصوّت لا على أساس الطائفة، بل على أساس الكفاءة. لا على أساس الخوف، بل على أساس الأمل.

صوتك هو الجسر بين الماضي المثقل بالألم، والمستقبل الذي يستحق أن يُبنى بالوعي. فلا تُعطِه إلا لمن يستحق أن يُعيد للوطن كرامته