الظل

حسين شكران الأكوش العقيلي

في عالمٍ يزدحم بالوجوه، وتتنافس فيه الأصوات على الظهور، ينسحب “الظل” بهدوءٍ إلى الخلف، لا يطلب تصفيقًا، ولا يسعى إلى أضواء، بل يكتفي بأن يكون شاهدًا صامتًا على ما كان وما سيكون. إنه الأثر الذي لا يُرى، لكنه يُحَسّ، يُلمَس، ويُسجَّل في دفاتر الغيب، حيث لا تزوير ولا تزيين.

الظل ليس تابعًا للجسد، بل هو امتدادٌ للروح. هو ما يتركه الإنسان خلفه حين يمرّ، لا بصوته، بل بأخلاقه، لا بصورته، بل بنيّته، لا بكلماته، بل بما سكن قلبه من صدقٍ أو زيف. إنه ذلك الحضور الغائب، الذي لا يُقاس بطول القامة، بل بعمق الأثر، ولا يُوزن بكثرة الأتباع، بل بثقل الضمير.

حين يسير الإنسان في دروب الحياة، يظن أن ما يراه الناس هو ما يُحسب له، وما يُقال عنه هو ما يُخلّد. لكنه يغفل عن أن الله لا ينظر إلى الصور، بل إلى القلوب، ولا يزن الأجساد، بل يزن الظلال. فكم من جسدٍ مشى بين الناس، لكنه لم يترك ظلًا يُذكر، وكم من قلبٍ خاشعٍ في زاويةٍ منسية، ترك أثرًا يهزّ الأرواح.

الظل هو الصدقة التي تُعطى في الخفاء، والكلمة الطيبة التي تُقال دون انتظار شكر، والدعاء الذي يُرفع في جوف الليل لأجل من لا يعلم. هو ذلك الخير الذي لا يُعلن، لكنه يُثمر، وتلك النية التي لا تُقال، لكنها تُوزن، وتلك الرحمة التي لا تُرى، لكنها تُحيي.

في زمنٍ كثرت فيه الأقنعة، وتعددت فيه الوجوه، صار الظل أصدق من الصورة. الصورة تُصنع، تُعدّل، تُجمّل، أما الظل فلا يُزيّف. إنه ما يبقى حين تُطوى الصحائف، ويُغلق الستار، وتُسكت الألسن. هو ما يُسأل عنه الإنسان حين يقف بين يدي الحق، مجردًا من كل زخرف، إلا من صدق أثره.

فيا من تسير في دروب الحياة، لا تنشغل كثيرًا بما يراه الناس، بل بما يراه الله. لا تسعَ لأن تكون صورةً جميلة، بل ظلًا نقيًا. فإن الصورة تُنسى، والظل يُخلّد. وإن كانت الأجساد تفنى، فإن الظلال تبقى، شاهدةً على ما كنّا، وما أردنا، وما تركنا خلفنا من نورٍ أو غبار.

فليكن ظلك طيبًا، ممتدًا، نقيًا، حتى وإن لم يرك أحد. لأن الله يرى، ويزن، ويثيب. وإن غاب الجسد، فإن الظل لا يغيب.