جسدٌ بين النص والسلطة: عمليات التجميل للنساء في ميزان الشريعة والقانون  

حسين شكران الأكوش العقيلي

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الجمالية وتُعاد فيه صياغة معايير القبول الاجتماعي، يقف جسد المرأة في قلب جدلٍ مركّب بين النصوص الدينية والسلطات القانونية. لم تعد عمليات التجميل مجرد تدخلات طبية لتحسين المظهر، بل تحولت إلى ظاهرة ثقافية تعبّر عن تصورات الهوية، والسلطة، والحرية، والشرعية. وبينما تتسابق المجتمعات نحو “تصميم الجمال”، تظل الأسئلة الكبرى معلّقة: هل يملك الإنسان حقًا مطلقًا في تعديل خلقته؟ وهل الجمال المكتسب يُعدّ تعديًا على الفطرة أم استجابة لحاجة نفسية واجتماعية؟  

الشريعة الإسلامية، بما تحمله من عمق روحي وتشريعي، لا تنظر إلى الجسد بوصفه ملكًا فرديًا مطلقًا، بل تعتبره أمانةً تستوجب الرعاية دون عبث أو تشويه. ومع ذلك، فإن الفقهاء فرّقوا بين التجميل الذي يزيل عيبًا أو يداوي تشوّهًا، وبين التجميل الذي يغيّر الخِلقة طلبًا للكمال أو مسايرةً للموضة. هذا التمييز لم يكن مجرد اجتهاد فقهي، بل هو انعكاس لرؤية أخلاقية ترى في الجسد مرآةً للنية، وميدانًا للتقوى أو الغرور.  

في المقابل، يتعامل القانون الوضعي مع عمليات التجميل من زاوية الحقوق الفردية، والسلامة الجسدية، والمسؤولية الطبية. فالقانون يبيح التجميل ما دام لا يضرّ بالمريضة، ويشترط موافقتها الواعية، ويحمّل الطبيب مسؤولية النتائج. لكنه، في كثير من الأحيان، يغفل البُعد الرمزي للجسد، ويختزل العملية في عقدٍ بين طرفين، دون أن يتساءل عن أثرها في تشكيل صورة المرأة عن ذاتها، أو في تكريس نمطٍ جماليٍّ واحد يُقصي التنوع ويُعيد إنتاج الهيمنة.  

هنا، يتقاطع النص مع السلطة، ويظهر التوتر بين منطق “التحريم الأخلاقي” ومنطق “الإباحة القانونية”. فبينما يرفض بعض الفقهاء عمليات التجميل التي تُغيّر خلق الله دون ضرورة، يفتح القانون بابًا واسعًا أمام حرية الجسد، حتى لو كانت مدفوعة بضغوط السوق أو الإعلام أو التوقعات الاجتماعية. هذا التباين لا يعكس فقط اختلاف المرجعيات، بل يكشف عن صراعٍ أعمق حول معنى الجمال، وحدود الحرية، وموقع المرأة في الثقافة.  

إن الجسد ليس ساحةً محايدة، بل هو نصٌّ يُكتب ويُعاد كتابته، وهو سلطة تُمارَس وتُقاوَم. وعمليات التجميل، في هذا السياق، ليست مجرد إجراء طبي، بل هي فعلٌ رمزيٌّ يحمل دلالات اجتماعية ودينية وقانونية. ومن هنا، فإن النظر إليها يجب أن يتجاوز ثنائية “الحلال والحرام” أو “المسموح والممنوع”، ليصل إلى فهمٍ أعمق لطبيعة العلاقة بين الإنسان وجسده، بين الفرد والمجتمع، وبين النص والسلطة.  

في النهاية، لا يمكن حسم الجدل حول عمليات التجميل إلا بإعادة طرح الأسئلة الكبرى: من يملك الجسد؟ ومن يحدّد معايير الجمال؟ وهل التجميل فعلُ تحرّر أم استسلام؟ إن الإجابة لا تكمن في فتوى أو مادة قانونية، بل في وعيٍ نقديٍّ يعيد للمرأة حقّها في أن تكون، لا أن تُصمَّم.