المدونة الفقهية الجعفرية الجديدة في مواجهة القانون العراقي: دراسة مقارنة في الأحوال الشخصية

حسين شكران الأكوش العقيلي

في لحظة مفصلية من تاريخ التشريع الإسلامي المعاصر، تبرز المدونة الفقهية الجعفرية الجديدة بوصفها محاولة جادة لإعادة ترتيب العلاقة بين المرجعية الفقهية والسلطة القانونية، في سياق اجتماعي وسياسي يتطلب وضوحًا في المفاهيم، وجرأة في إعادة النظر، وحرصًا على وحدة المجتمع دون التفريط بأصالته. هذه المدونة لا تأتي بوصفها مجرد تجميع فقهي، بل كخطاب إصلاحي يسعى إلى تقديم رؤية متماسكة لأحكام الزواج والطلاق، تنطلق من أصول المذهب الجعفري، وتتحاور مع الواقع القانوني العراقي الذي تشكل عبر تراكمات متعددة المصادر.

إن الفقه الجعفري، بما يحمله من عمق تاريخي واجتهادي، ظل حاضرًا في الوجدان القانوني العراقي، وإن لم يكن دائمًا ظاهرًا في نصوصه الرسمية. فالقانون العراقي للأحوال الشخصية، رغم محاولاته في التوفيق بين المذاهب، بقي أقرب إلى النموذج السني في بنيته العامة، مع فتح بعض النوافذ للاجتهادات الجعفرية في التطبيق القضائي. غير أن المدونة الجديدة جاءت لتكسر هذا الحضور الهامشي، وتطالب بموقع أكثر وضوحًا، لا بوصفها بديلاً، بل كمصدر تشريعي موازٍ يعبّر عن هوية فقهية قائمة بذاتها.

ما يميز هذه المدونة ليس فقط بنيتها الفقهية، بل لغتها القانونية التي تسعى إلى مخاطبة الدولة والمجتمع معًا. فهي لا تكتفي بإعادة إنتاج الأحكام التقليدية، بل تعيد صياغتها بلغة قانونية قابلة للتنفيذ، دون أن تفقد روحها الاجتهادية. وهذا التحول من الفقه إلى القانون هو ما يجعل المقارنة مع التشريع العراقي مثيرة ومليئة بالتحديات، إذ تطرح أسئلة حول المرجعية، والشرعية، والتمثيل، والعدالة، في مجتمع متعدد المذاهب والطوائف.

الزواج في المدونة الجعفرية الجديدة يُقدَّم بوصفه عقدًا ذا طابع ديني واجتماعي، تُراعى فيه شروط الرضا، والولاية، والمهر، والعدالة، مع تأكيد على خصوصية المرأة في الاختيار والحقوق. أما الطلاق، فيُعالج بمنهج يوازن بين حق الرجل في الإيقاع، وحق المرأة في المطالبة، مع إدراج آليات للصلح والتأمل قبل الانفصال، مما يعكس روحًا إصلاحية تهدف إلى تقليل حالات التفكك الأسري. هذه الرؤية تختلف في بعض تفاصيلها عن القانون العراقي، الذي يميل إلى الصياغة الإجرائية أكثر من الفقهية، ويعتمد على قوالب قانونية قد لا تعكس دائمًا روح النصوص الشرعية.

ومع ذلك، فإن المدونة لا تسعى إلى الصدام، بل إلى الحوار. فهي تطرح نفسها كخطاب بديل، لا كأداة إقصاء. وهذا ما يجعلها فرصة لإعادة التفكير في بنية القانون العراقي، الذي يحتاج إلى مراجعة مستمرة تضمن تمثيلًا حقيقيًا للتنوع الفقهي في العراق، دون أن يتحول إلى ساحة صراع مذهبي. فالتعدد الفقهي، إذا أُدير بحكمة، يمكن أن يكون مصدر غنى لا تهديدًا، ومجالًا للتكامل لا للتفكك.

إن المدونة الجعفرية الجديدة، إذ تطرح نفسها في هذا السياق، لا تمثل فقط تطورًا فقهيًا، بل تعكس أيضًا تحوّلًا في وعي المجتمع الشيعي تجاه القانون والدولة. فهي تعبير عن رغبة في المشاركة، لا في الانعزال، وعن مطالبة بالاعتراف، لا بالانفصال. وهذا ما يجعلها أكثر من مجرد نصوص فقهية، بل مشروعًا قانونيًا يحمل في طياته أبعادًا اجتماعية وسياسية وثقافية، تستحق أن تُقرأ بعين الإصلاح لا بعين الصراع.

وفي النهاية، فإن المقارنة بين المدونة الجعفرية الجديدة والقانون العراقي ليست مجرد تمرين أكاديمي، بل دعوة لإعادة بناء الجسور بين الفقه والقانون، بين المرجعية والدولة، وبين النص والواقع. وهي دعوة لا يمكن أن تتحقق إلا إذا أُديرت بروح علمية، ونزاهة فكرية، وحرص على وحدة المجتمع، واحترام لتنوعه.