حسين شكران الاكوش العقيلي
في زمنٍ باتت فيه الشاشات امتدادًا لأعيننا، والمنصات الاجتماعية امتدادًا لألسنتنا، نشأت علاقة جديدة بين الإنسان وذاته، علاقة تتوسطها خوارزميات لا تعرف الرحمة، وتغذيها حاجات نفسية لم تُشبع في الواقع. لم تعد مواقع التواصل مجرد أدوات للتواصل، بل تحولت إلى فضاءات نفسية تؤثر في وجدان الفرد، وتعيد تشكيل إدراكه لذاته وللعالم من حوله.
إن التأثير النفسي لمواقع التواصل الاجتماعي لا ينبع من محتواها الظاهر فحسب، بل من بنيتها العميقة التي تخلق نمطًا جديدًا من الحياة النفسية: حياة متصلة ظاهريًا، ومنفصلة جوهريًا. فالفرد الذي يتفاعل يوميًا مع مئات المنشورات، ويقيس قيمته بعدد الإعجابات والتعليقات، يعيش حالة من الانكشاف المستمر، حيث تتحول الذات إلى مادة قابلة للتقييم اللحظي، وتُختزل في صورة أو تعليق.
هذا الانكشاف لا يمر دون أثر. فمع كل مشاركة، يتسلل القلق، ومع كل مقارنة، يتعاظم الشعور بالنقص، ومع كل تجاهل، يتولد الإحساس بالرفض. وهكذا، يصبح التفاعل الرقمي مصدرًا لتقلبات وجدانية لا تهدأ، ويغدو الصمت الرقمي أحيانًا أكثر إيلامًا من النقد الصريح. إننا أمام ضجيجٍ صامت، لا يُسمع بالأذن، بل يُحس في القلب، ويُترجم إلى اضطرابات نفسية تتراوح بين القلق والاكتئاب، وبين العزلة والانفصال عن الذات.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة هو أنها تتسلل إلى النفس دون مقاومة، تحت غطاء الترفيه أو التواصل أو حتى العمل. فالمستخدم لا يشعر بأنه يُستنزف نفسيًا، بل يظن أنه يواكب العالم، بينما هو في الحقيقة يبتعد عن ذاته شيئًا فشيئًا. إن مواقع التواصل، بما فيها من سرعة وتكرار وتنوع، تخلق حالة من التشويش الداخلي، حيث يصعب على النفس أن تستقر، أو أن تتأمل، أو أن تصغي لصوتها الداخلي.
ومن زاوية فقهية مقارنة، يمكن القول إن هذا النمط من الحياة الرقمية يطرح تحديات جديدة أمام مفهوم التوازن النفسي الذي اعتنى به الفقه الإسلامي في مقارباته للسكينة والطمأنينة. فالفرد المسلم، الذي يُطلب منه أن يكون متزنًا في مشاعره، متأملًا في سلوكه، يجد نفسه في مواجهة نمط من الحياة يُغذي التشتت، ويُضعف التأمل، ويُعزز الانفعال اللحظي. وهنا تبرز الحاجة إلى خطاب إصلاحي جديد، يُعيد الاعتبار للسكينة النفسية، ويُقدم أدوات فكرية وروحية تساعد الفرد على استعادة توازنه في عالمٍ يزداد اضطرابًا.
إن الصحة النفسية لم تعد قضية فردية، بل غدت قضية مجتمعية، تتطلب وعيًا جماعيًا، وتدخلاً تربويًا وإعلاميًا وأخلاقيًا. فالمجتمع الذي يُغرق أفراده في المقارنات الرقمية، ويُشجع على التفاعل السطحي، ويُهمش العمق والتأمل، هو مجتمع يُعرض نفسه لأزمات نفسية متراكمة، قد تنفجر في أشكال من العنف أو الانسحاب أو الانهيار الداخلي.
ولذلك، فإن إعادة النظر في استخدام مواقع التواصل، لا تعني الانسحاب منها، بل تعني إعادة تشكيل العلاقة معها، بحيث تصبح أداة للتواصل الحقيقي، لا وسيلة للانكشاف النفسي. وهذا يتطلب وعيًا ذاتيًا، وتربية وجدانية، وخطابًا إعلاميًا يُعلي من قيمة التأمل، ويُقلل من وطأة التفاعل اللحظي.
في الختام، فإن الضجيج الصامت الذي تخلقه مواقع التواصل الاجتماعي، هو دعوة للتأمل، لا للإنكار. دعوة لإعادة بناء الذات في زمنٍ تتكاثر فيه الصور وتقل فيه المعاني. دعوة لإصلاح العلاقة بين الإنسان وذاته، بين الإنسان ومجتمعه، وبين الإنسان وخالقه، في عالمٍ رقمي لا يهدأ.