كلمات مختارة في القرآن الكريم (أبرح، نبرح، أكنة)‎

فاضل حسن شريف

جاء في معاني القرآن الكريم: برح البراح: المكان المتسع الظاهر الذي لا بناء فيه ولا شجر، فيعتبر تارة ظهوره فيقال: فعل كذا براحا، أي: صراحا لا يستره شيء، وبرح الخفاء: ظهر، كأنه حصل في براح يرى (انظر: البصائر 2/236)، ومنه: براح الدار، وبرح: ذهب في البراح، ومنه: البارح للريح الشديد، والبارح من الظباء والطير، لكن خص البارح بما ينحرف عن الرامي إلى جهة لا يمكنه فيها الرمي فيتشاءم به، وجمعه بوارح، وخص السانح بالمقبل من جهة يمكن رميه، ويتيمن به، والبارحة: الليلة الماضية، وما برح: ثبت في البراح، ومنه قوله عز وجل: “لا أبرح” (الكهف 60)، وخص بالإثبات، كقولهم: لا أزال؛ لأن برح وزال اقتضيا معنى النفي، و (لا) للنفي، والنفيان يحصل من اجتماعهما إثبات، وعلى ذلك قوله عز وجل: “لن نبرح عليه عاكفين” (طه 91)، وقال تعالى: “لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين” (الكهف 60)، ولما تصور من البارح معنى التشاؤم اشتق منه التبريح والتباريح فقيل: برح بي الأمر، وبرح بي فلان في التقاضي، وضربه ضربا مبرحا، وجاء فلان بالبرح.

عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: “لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ” (الكهف 60) معناه: لا أزال أمضي وأمشي ولا أسلك طريقا آخر حتى أبلغ ملتقى البحرين بحر فارس وبحر الروم ومما يلي المغرب بحر الروم ومما يلي المشرق بحر فارس عن قتادة وقال محمد بن كعب هو طنجة وروي عنه إفريقية وكان وعد أن يلقى عنده الخضر. وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى “وإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوأَمْضِيَ حُقُباً” (الكهف 60) الظرف متعلق بمقدر، والجملة معطوفة على ما عطف عليه التذكيرات الثلاثة المذكورة سابقا، وقوله: “لَا أَبْرَحُ” بمعنى لا أزال وهو من الأفعال الناقصة حذف خبره إيجازا لدلالة قوله: “حَتَّى أَبْلُغ” عليه والتقدير لا أبرح أمشي أو أسير.

قال الله تعالى عن أبرح و نبرح “فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ” ﴿يوسف 80﴾ أبرح فعل، فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ: لن أغادر أرض مصر، فلما يئسوا من إجابته إياهم لِمَا طلبوه انفردوا عن الناس، وأخذوا يتشاورون فيما بينهم، قال كبيرهم في السن: ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم العهد المؤكد لتردُّنَّ أخاكم إلا أن تُغلبوا، ومن قبل هذا كان تقصيركم في يوسف وغدركم به؛ لذلك لن أفارق أرض “مصر” حتى يأذن لي أبي في مفارقتها، أو يقضي لي ربي بالخروج منها، وأتمكن مِن أَخْذِ أخي، والله خيرُ مَن حَكَمَ، وأعدل مَن فَصَلَ بين الناس. “وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا” ﴿الكهف 60﴾ لا أبرح: لا أزال سائرا. أو: لا أترك ولا أفارق حتى، واذكر حين قال موسى لخادمه يوشع بن نون: لا أزال أتابع السير حتى أصل إلى ملتقى البحرين، أو أسير زمنًا طويلا حتى أصل إلى العبد الصالح؛ لأتعلم منه ما ليس عندي من العلم. “قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ” ﴿طه 91﴾ نبرح فعل، لَنْ نَّبْرَحَ: لا نزال. قال عُبَّاد العجل منهم: لن نزال مقيمين على عبادة العجل حتى يرجع إلينا موسى.

قال الله تعالى عن أكنة “وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا ۚ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَـٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ” ﴿الأنعام 25﴾ أكنة اسم، أكنّة: أغطية و ستائر. ومن هؤلاء المشركين من يستمع إليك القرآن -أيها الرسول-، فلا يصل إلى قلوبهم؛ لأنهم بسبب اتباعهم أهواءهم جعلنا على قلوبهم أغطية؛ لئلا يفقهوا القرآن، وجعلنا في آذانهم ثقلا وصممًا فلا تسمع ولا تعي شيئًا، وإن يروا الآيات الكثيرة الدالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم لا يصدقوا بها، حتى إذا جاؤوك -أيها الرسول- بعد معاينة الآيات الدالة على صدقك يخاصمونك: يقول الذين جحدوا آيات الله: ما هذا الذي نسمع إلا ما تناقله الأولون من حكايات لا حقيقة لها. “وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا” ﴿الإسراء 46﴾ أَكِنَّةً: أغطية على القلوب. وجعلنا على قلوب المشركين أغطية؛ لئلا يفهموا القرآن، وجعلنا في آذانهم صممًا؛ لئلا يسمعوه، وإذا ذَكَرْتَ ربك في القرآن داعيًا لتوحيده ناهيًا عن الشرك به رجعوا على أعقابهم نافرين من قولك؛ استكبارًا واستعظامًا من أن يوحِّدوا الله تعالى في عبادته. “وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ۚ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۖ وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا” ﴿الكهف 57﴾ أَكِنَّةً: أغطية كثيرة مانعة. ولا أحد أشد ظلمًا ممن وُعِظ بآيات ربه الواضحة، فانصرف عنها إلى باطله، ونسي ما قدَّمته يداه من الأفعال القبيحة فلم يرجع عنها، إنَّا جعلنا على قلوبهم أغطية، فلم يفهموا القرآن، ولم يدركوا ما فيه من الخير، وجعلنا في آذانهم ما يشبه الصمم، فلم يسمعوه ولم ينتفعوا به، وإن تَدْعُهم إلى الإيمان فلن يستجيبوا لك، ولن يهتدوا إليه أبدًا. “وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ” ﴿فصلت 5﴾ أَكِنَّةٍ: أغطية، وقال هؤلاء المعرضون الكافرون للنبي محمد صلى الله عليه وسلم: قلوبنا في أغطية مانعة لنا من فهم ما تدعونا إليه، وفي آذاننا صمم فلا نسمع، ومن بيننا وبينك- يا محمد- ساتر يحجبنا عن إجابة دعوتك، فاعمل على وَفْق دينك، كما أننا عاملون على وَفْق ديننا.

وردت كلمة أكنة ومشتقاتها في القرآن الكريم: أَكْنَنتُمْ، أَكِنَّةً، أَكْنَانًا، تُكِنّ،ُ مَكْنُونٌ، الْمَكْنُونِ. وجاء في معاني القرآن الكريم: كنن الكن: ما يحفظ فيه الشيء. يقال: كننت.